الصيام ... والسمو الإيماني

الصيام ... والسمو الإيماني إن المتأمل في رمضان، وحكمته… يقف منبهرًا بهذا التوجيه الرباني المركز نحو الطاعة والقرب من الله تعالى، والحث على فعل الخيرات، وتضاعف الأجر॥ وكل ذلك في مدة محددة محدودة مع كل ما في هذه المدة من أعمال، ليكون المسلم مشغولاً طول ليله ونهاره بالقرب من ربه سبحانه وتعالى، فهو بين الصيام، وقراءة القرآن ،والقيام، وبين صلة الرحم، والبذل والجود، ومعاونة أخيه المسلم।ولعل من أجمل وأروع ما يربينا عليه رمضان، قضية كسر العادة، ليحررنا من أسر أي عادة مهما كانت، فيفك إسار عبوديتنا للمألوف، فكما تعودنا أن نأكل ونشرب كل يوم، أصبحنا مأمورين بالصوم حتى غروب الشمس، وكما ألفنا الحرص على المال، غدونا مطالبين بالبذل والتصدق ودفع زكاة الفطر، وكما كان ليلنا للخلود والنوم، لزمنا القيام فيها لله تعالى بالصلاة. وكل هذا التركيز في الطاعات هدفه تحقيق العبودية لله أولاً كما أمر، ثم الارتقاء والسمو الإيماني بالمسلم ليكون لديه من زاد التقوى والعبادة والورع، ما يعينه في حياته وسط ضغوط الحياة، وأمواجها المتلاطمة المحيطة به.محاور الموضوع:-- كيف يؤسس الإنسان حياته على العبودية الكاملة لله سبحانه.- رمضان ودوره في تحقيق مطلق العبودية لله سبحانه.- تقلب النفس البشرية، وكيف عالجها سبحانه من خلال رمضان.- السمو الإيماني في رمضان: تجارب شخصية، ومشاهدات عينية.
المصدر

سلوكياتنا في رمضان ... إيجابيات وسلبيات

سلوكياتنا في رمضان ... إيجابيات وسلبيات رمضان… هذا الشهر العظيم الذي اختصه الله سبحانه وتعالى بالصيام، وأكرمنا فيه سبحانه بفضله وكرمه، فجعلنا بين ثلاث مراحل؛ الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وضاعف لنا فيه الأجر والثواب في كل الأعمال، فحثَّنا ذلك كله على العبادة والطاعة، فأقبل المسلمون على الطاعات، وامتلأت المساجد بصفوف المصلين، وحفلت المقارئ بقارئي القرآن، وأصبح البذل والجود والتواصل والتراحم سمة ظاهرة في المجتمع، وغدا رمضان وسيلة لتهذيب النفس وتربيتها على الجوع والعطش في سبيل الله، وعلى اتخاذ الزهد منهج حياة، وحتى على مستوى وسائل الإعلام أخذت مساحة الأعمال الدينية تزداد في هذا الشهر عن غيره من الشهور.وفي ظل هذه المظاهر الإيجابية، غزت المسلمين مظاهر سلبية اختصت برمضان أيضًا، ولا تسل عن هذا التناقض وكيف حدث، فإن الواقع يشهد به ويؤكده وكم في حال المسلمين اليوم من تناقض!! فإلى جانب امتلاء المساجد بالعُمَّار جلس كثير من المسلمين في المقاهي والخيام الرمضانية والديوانيات، وأصبح هذا هو مكانهم الدائم ومأواهم الوحيد كل ليلة، وكما كان رمضان وسيلة للزهد والتقشف، صار علامة للتبذير والإسراف، وأخذت الموائد تزدان بمأكولات خاصة برمضان، وكأنه أصبح احتفالية "طعامية" مادية لا احتفالية روحية. وبمحاذاة المساحة الزائدة للبرامج الدينية في قنوات التلفاز، غدا التلفاز طريقة من طرق الإفساد والإلهاء عن العبادة سواء بزيادة عدد ساعات الإرسال حتى طلوع الفجر، أو بنوعية البرامج المقدمة، وحتى المسلسلات الدينية- أو التي يفترض أن تكون دينية -غدا مدار الحديث فيها عن الحب والعشق، وأما العادات الطيبة التي أرساها لنا رمضان من صلة الرحم والتعاون وحب الخير، قلبناها إلى مجال للحديث فيما هو غير نافع، أو ضار كالغيبة والنميمة، وتفشَّت بين المسلمين ظاهرة في غاية السوء وهي الكسل وكثرة النوم وقلة العمل،وكأنه شهر الكسالى والخاملين لا شهر الجدّ والنشاط !! وبين الإيجاب والسلب يعيش المسلم اليوم. محاور الموضوع:- العبادات في رمضان بين الالتزام بما حدده الشارع ومغالاة البعض.- الإعلام بين الدور المنشود والواقع المشهود.- العادات والتقاليد: الجانب الإيجابي منها وكيف نستثمره؟ والجانب السلبي أسبابه وطرق علاجه.

علمنة رمضان

علمنة رمضان في الدين هناك عبادات ومعاملات وأخلاق، والعلمنة لما هو ديني ليست هي فصل الدين عن الدولة أو فصله عن الحياة اليومية وحسب، بل قد تأخذ العلمنة شكل إدخال البعد المادي الدنيوي في الأخلاق والعبادات، وتحويل العبادات نفسها عن مقاصدها وغاياتها التي تخدم الرؤية الإسلامية لتنقلب في النهاية لخدمة نظم الحياة غير الإسلامية، فتكون ممارسة الفرائض الدينية في ظاهرها مستمرة وتامة، لكن في الحقيقة تخضع لعلمنة متدرجة ما تلبث أن تصبح قوية وفاصلة.وينطبق هذا على رمضان؛ إذ أنه الشهر الذي فرض علينا الله فيه الصيام، وسن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم فيه القيام، وغايته الكبرى هي ربط المسلم في علاقة إيمانية بربه بالعبادة والذكر وبإخوانه في المجتمع بالتكافل والبر، لكن قد تحول إلى مناسبة إعلامية إعلانية يصرف فيها التلفاز والقنوات الفضائية الناس عن العبادة، ويزيد فيها استهلاكنا من الطعام نوعاً وكمًّا، ويتحول فيها السوق الإسلامي لسوق مروجة للبضائع الأجنبية التي تحاول تسويق إنتاجها بتوفير سلع "رمضانية"، بدءاً من فوانيس رمضان الصينية المزودة بموسيقى "ماكارينا"، مروراً بالعروض الخاصة للسحور في فروع المطاعم الأمريكية للوجبات السريعة، وانتهاءً بملابس العيد المخفضة في بيوت الأزياء العالمية المختلفة .. حتى العادات الرمضانية الشعبية كالسهر والسمر في الأماكن الشعبية قد تحولت في بلدان كثيرة إلى سهرات فندقية تدخن فيها النرجيلة (الشيشة)، ويختلط فيها الرجال بالنساء، وتنتهي مع السحور على أنغام الموسيقى الغربية. وللتأمل في علمنة رمضان وكيف تحول تدريجيًا إلى هذه "العلمنة" بكل أبعادها نطرح المحاور التالية للنقاش:
إلى أي مدى تمت علمنة الشعائر لكل من جوانب العبادات والمعاملات والأخلاق في مجتمعاتنا ؟
هل تتفاوت درجة العلمنة بين الدول الإسلامية ؟
ما أثر العلمنة على رمضان باتجاه خدمة النظام العالمي في مجالات المعاملات والأخلاق؟
ما هي مظاهر علمنة رمضان؟ وما الذي يمكن تلافيه منها هذا العام وبشكل بسيط ومتاح للمسلم العادي؟
المصدر

قضاء رمضان


قضاء رمضان قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسعًا في أي وقت، وكذلك الكفارة؛ فقد صح عن عائشة أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان -رواه أحمد ومسلم-، ولم تكن تقضيه فورًا عند قدرتها على القضاء। والقضاء مثل الأداء، بمعنى أن من ترك أيامًا يقضيها دون أن يزيد عليها। ويفارق القضاء الأداء في أنه لا يلزم فيه التتابع، لقول الله -تعالى-: ) وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(؛ أي ومن كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر فليصم عدة أيام التي أفطر فيها في أيام أخر متتابعات أو غير متتابعات، فإن الله أطلق الصيام ولم يقيده. وروى الدار قطني عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في قضاء رمضان: "إن شاء فرَّق وإن شاء تابع". وإن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر صام رمضان الحاضر، ثم يقضي بعده ما عليه، ولا فدية عليه؛ سواء كان التأخير لعذر أو لغير عذر، وهذا هو مذهب الأحناف والحسن البصري. ووافق مالك والشافعي وأحمد وإسحاق الأحناف في أنه لا فدية عليه إذا كان التأخير بسبب العذر. وخالفوهم فيما إذا لم يكن له عذر في التأخير، فقالوا: عليه أن يصوم رمضان الحاضر ثم يقضي ما عليه بعده، ويفدي عما فاته عن كل يوم مدًا من طعام. وليس لهم في ذلك دليل يمكن الاحتجاج به. فالظاهر ما ذهب إليه الأحناف، فإنه لا شرع إلا بنص صحيح
المصدر

أركان الصيام

أركان الصيام للصيام ركنان تتركب منهما حقيقته:
1
-
الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس: لقوله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ)، والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود: بياض النهار وسواد الليل، لما رواه البخاري ومسلم: أن عدي بن حاتم قال: لما نزلت )حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ( عدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكرت له ذلك فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار".
2
-
النية: لقول الله تعالى: ) وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". ولا بد أن تكون قبل الفجر من كل ليلة من ليالي شهر رمضان، لحديث حفصة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من لم يُجْمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.وتصح في أي جزء من أجزاء الليل، ولا يشترط التلفظ بها؛ فإنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، فإن حقيقتها القصد إلى الفعل امتثالاً لأمر الله تعالى، وطلبًا لوجهه الكريم. فمن تسحر بالليل قاصدًا الصيام تقربًا إلى الله بهذا الإمساك فهو ناوٍ.ومن عزم على الكف عن المفطرات أثناء النهار مخلصًا لله فهو ناوٍ كذلك، وإن لم يتسحر. وقال كثير من الفقهاء: إن نية صيام التطوع تجزئ من النهار إن لم يكن قد طعم.قالت عائشة: دخل عليَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء"؟ قلنا: لا. قال: "فإني صائم" رواه مسلم، وأبو داود.واشترط الأحناف أن تقع النية قبل الزوال، وهذا هو المشهور من قولي الشافعي، وظاهر قولي ابن مسعود وأحمد: أنها تجزئ قبل الزوال وبعده على السواء.على من يجب؟: أجمع العلماء على أنه يجب الصيام على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم، ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنفاس.فلا صيام على كافر ولا مجنون ولا صبي ولا مريض ولا مسافر ولا حائض ولا نفساء ولا شيخ كبير ولا حامل ولا مرضع.بعض هؤلاء لا صيام عليه مطلقًا، كالكافر والمجنون، وبعضهم يطلب من وليه أن يأمره بالصيام، وبعضهم يجب عليه الفطر والقضاء، وبعضهم يرخص له في الفطر وتجب عليه الفدية، وهذا بيان كل على حدة
المصدر

من ثمرات الصيام

من ثمرات الصيام لفضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :- لعل أهم ثمرات الصوم إيتاء القدرة على الحياة مع الحرمان في صورة ما॥ كنت أرمق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يسأل أهل بيته في الصباح : أثَم ما يفطر به؟ فيقال : لا! فينوي الصيام، ويستقبل يومه كأنه لم يحدث॥ ويذهب فيلقى الوفد ببشاشة ويبت في القضايا، وليس في صفاء نفسه غيمة واحدة ! وينتظر بثقة تامة رزق ربه دونما ريبة، ولسان حاله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) قلت: لو جاءني إفطاري دون شاي لسخت!! ولرفضت إمضاء ورقة على مكتبي، بَلْهَ كتابة مقال!!। إنها لعظمة نفسية جديرة بالإكبار أن يواجه المرء البأساء والضراء مكتمل الرشد، باسم الثغر، والأفراد والجماعات تقدر على ذلك لو شاءت!। وأعتقد أن أسباب غلب العرب في الفتوح الأولى قلة الشهوات التي يخضعون لها، أو قلة العادات التي تعجز عن العمل إن لم تتوفر. يضع الواحد منهم تمرات في جيبه وينطلق إلى الميدان، أما جنود فارس والروم فإن العربات المشحونة بالأطعمة كانت وراءهم، وإلا توقفوا… وقد اعتمد غاندي على هذا السلاح عندما حارب "بريطانيا" العظمى.. كان الإنتاج البريطاني يعتمد على الاستهلاك الهندي.. وقرر غاندي أن ينتصر بتدريب قومه على الاستغناء نلبس الخيش ولا نلبس منسوجات "مانشيستر"، نأكل الطعام بدون الملح ما دامت الدولة تحتكره، نركب أرجلنا ولا نركب سياراتهم وقاد حركة المقاطعة رجل نصف عار جائع، يتنقل بين المدن والقرى مكتفيًا بكوب من اللبن. واستجابت الجماهير الكثيفة للرجل الزاهد، وشرعت تسير وراءه فإذا الإنتاج الإنكليزي يتوقف، والمصانع تتعطل، وألوف مؤلفة من العمال الإنجليز يشكون البطالة. واضطرت الحكومة إلى أن تطلب من "غاندي" المجيء إلى لندن كي يتفاوض معها، أو يملي شروطه عليها!!. وحياة أحمد شوقي وهو ذاهب إلى لندن بقصيدته التي يقول فيها محذرًا من ألاعيب الساسة: وقل: هاتوا أفاعيكم أتى "الحاوي" من الهند… إن الإنسان الذي يملك شهواته قوة خطيرة، والشعب الذي يملك شهواته قوة أخطر، فهل نعقل؟؟.. أحفظ للشيخ الكبير "محمد الخضر حسين" -شيخ الأزهر الأسبق- كلمة عظيمة: "لست أنا الذي يهدَّد؛ إن كوبًا من اللبن يكفيني أربعًا وعشرين ساعة"!. ومن قبله قال الشيخ عبد المجيد سليم وقد حذروه من غضب جهات عالية: "أيمنعني ذاك من التردد بين بيتي والمسجد؟ قالوا: لا.. قال: لا خطر إذن؛ ليس هناك ما يُخاف"..من أركان العظمة أن يجعل الرجل مآربه من الدنيا في أضيق نطاق مستطاع… إنه يعيي عدوه بذلك الاستعفاف أو الاستغناء. وذاك نهج الشرف الذي خطه علي بن أبي طالب عندما قال: "استغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره".. وما يستقيم على هذا النهج إلا امرؤ يحسن الصيام.. أعجبتني هذه الوصية لأبي عثمان النوري لابنه، وأثبتها الجاحظ، وليس لي في كتابتها إلا فضل النقل.. "يا بني: كلْ مما يليك، واعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة أو شيء مستطرف فإنما ذلك للشيخ المعظَّم أو الصبي المدلَّل، ولست واحدًا منهما. يا بني عوِّد نفسك مجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش كالسباع، ولا تقضم كالبغال، ولا تلقم لقم الجمال، فإن الله جعلك إنسانًا فلا تجعل نفسك بهيمة، واعلم أن الشبع داعية البشم، والبشم داعية السقم، والسقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، لأنه قاتل نفسه، وقاتل نفسه ألأم من قاتل غيره. يا بني: والله ما أدى حق الركوع والسجود ممتلئ قط! ولا خضع لله ذو بطنة، والصوم مصحة والوجبات عيش الصالحين. يا بني: قد بلغت تسعين عامًا ما نقص لي سن، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت ذنين أنف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول، وما لذلك علة إلا التخفف من الزاد. فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فتلك سبيل الموت، ولا أبعد الله غيرك".. هذه وصية رجل لا يعرف عبادة الجسد التي تهاوى فيها أبناء هذا العصر، والتي جاء فيها قوله تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، وقوله(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ). وتجتاح الناس بين الحين والحين أزمات حادة تقشعر منها البلاد، ويجف الزرع والضرع، ما عساهم يفعلون؟ إنهم يصبرون مرغمين أو يصومون كارهين، وملء أفئدتهم السخط والضيق.. وشريعة الصوم شيء فوق هذا، إنها حرمان الواجد، ابتغاء ما عند الله. إنها تحمل للمرء منه مندوحة -لو شاء- ولكنه يخرس صياح بطنه، ويرجئ إجابة رغبته، مدخرًا صبره عند ربه، كيما يلقاه راحة ورضا في يوم عصيب … (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ). وربط التعب بأجر الآخرة هو ما عناه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"!.. إن كلمتي "إيمانًا واحتسابًا" تعنيان جهدًا لا يستعجل أجره، ولا يطلب اليوم ثمنه؛ لأن باذله قرر حين بذله أن يجعله ضمن مدخراته عند ربه.. نازلاً عن قوله (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا). وسوف يجد الصائم مفطرين لا يعرفون لرمضان حرمة ولا لصيامه حكمة، إذا اشتهوا طعامًا أكلوا، وإذا شاقهم شراب كرعوا.. ماذا يجدون يوم اللقاء؟.. إنهم يجدون أصحاب المدخرات في أفق آخر، مفعم بالنعمة والمتاع، ويحدثنا القرآن الكريم عمن أضاعوا مستقبلهم فيقول (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ* الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) إن الصيام عبادة مضادة لتيار الحياة الآن، لأن الفلسفات المادية المسيطرة في الشرق والغرب، تعرف الأرض ولا تعرف السماء، تعرف الجسم ولا تعرف الروح، تعرف الدنيا ولا تعرف الآخرة… ليكن للقوم ما أرادوا، ذلك مبلغهم من العلم!.. بيد أننا نحن المسلمين يجب أن نعرف ربنا، وأن نلزم صراطه، وأن نصوم له، وأن ندخر عنده!.. على أن هناك حقيقة مؤسفة هي أن الصوام قلة وان امتنع عن الطعام كثيرون
مصدر

اسرار الصيام

أسرار الصيام للإمام أبو حامد الغزالي:- في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده أما الواجبات الظاهرة فستة:الأول: مراقبة أول شهر رمضان، وذلك برؤية الهلال، فإن غم فاستكمال ثلاثين يومًا من شعبان। الثاني: النية، ولابد لكل ليلة من نية مبيتة معينة حازمة، فلو نوى أن يصوم شهر رمضان دفعة واحدة لم يكفه. الثالث: الإمساك عن إيصال شي إلى الجوف عمدًا مع ذكر الصوم، فيفسد صومه بالأكل والشرب والسعوط والحقنة. الرابع: الإمساك عن الجماع، وحدُّه مغيب الحشفة، وإن جامع ناسيًا لم يفطر، وإن جامع ليلاً او احتلم فأصبح جنبًا لم يفطر. الخامس: الإمساك عن تعمد إخراج القيء، وإن غلبه القيء لم يفسد صومه. وأما لوازم الإفطار فأربعة: القضاء، والكفارة، والفدية، وإمساك بقية النهار تشبهًا بالصائمين. أما القضاء: فوجوبه عام على كل مسلم مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر. وأما الكفارة: فلا تجب إلا بالجماع. وأما إمساك بقية النهار: فيجب على من عصى بالفطر إن قربه، ولا يجب على الحائض إذا طهرت إمساك بقية نهارها، ولا على المسافر إذا قدم مفطرًا من سفر. وأما الفدية: فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفًا على ولديهما، لكل يوم مُدُّ حنطة لمسكين واحد مع القضاء والشيخ الهرم إذا لم يصم تصدق عن كل يوم مدًا. أما السنن فست؛ تأخير السحور، وتعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة، وترك السواك بعد الزوال، والجود في شهر رمضان لما سبق من فضائل في الزكاة، ومدارسة القرآن، والاعتكاف في المسجد؛ لا سيما في العشر الأواخر، فهو عادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش، وشد المئزر، ودأب وأدأب أهله، أي أداموا النصب في العبادة؛ إذ فيها ليلة القدر. في أسرار الصوم وشروطه الباطنةأعلم أن الصوم ثلاث درجات؛ صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله. وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله -عز وجل- بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله -عز وجل- واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا، إلا دنيا تراد للدين. في التطوع بالصيام وترتيب الأوراد فيهأعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة، وبعضها يوجد في كل شهر، وبعضها في كل أسبوع. أما في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفة، ويوم عاشوراء، والعشر من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم، وجميع الأشهر الحرم مظان الصوم، وهي أوقات فاضلة و"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر من صوم شعبان حتى كان يظن أنه في رمضان". والأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب؛ واحد فرد وثلاثة متواليات. وأما ما يتكرر في الشهر: فأول الشهر وأوسطه وآخره، وأوسطه الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. أما في الأسبوع فالاثنين والخميس والجمعة، فهذه الأيام هي الأيام الفاضلة، فيستحب فيه الصيام وتكثير الخيرات، لتضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات. وأما صوم الدهر فإنه شامل لكل زيادة: وللسالكين فيه طرق؛ فمنهم من كره ذلك؛ إذ وردت أخبار تدل على كراهيته، والصحيح أنه إنما يكره لشيئين: أحدهما: ألا يفطر في العيدين وأيام التشريق فهو صوم الدهر كله. والآخر: أن يرغب عن السنة في الإفطار، ويجعل الصوم حجرًا على نفسه، لأن الله -سبحانه- يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه، فإذا لم يكن شي من ذلك، ورأى صلاح نفسه في صوم الدهر فليفعل ذلك، فقد فعله جماعة من الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم-
المصدر

تعريب وتطوير مدونة التعليم الالكترونى