خلاصة القول في بيان ليلة القدر

خلاصة القول في بيان ليلة القدر

الكاتب : محمد سعد عبد الدايم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

هذا ما يسره الله تعالى في جمع ما قيل في ليلة القدر من الفضائل والحث على تحريها ، وذكر الأحاديث التي جاءت في بيان وتحديد أي الليالي هي ، والجمع بين هذه الأحاديث ، ونسأل الله تعالى القبول ، وأن يجعلنا وإياكم من أهلها .


نوه الله تعالى بشأن ليلة القدر وسماها بليلة القدر قيل : لأنها تقد فيها الآجال والأرزاق وما يكون في السنة من التدابير الإلهية .

قال النووي : قال العلماء سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى ((فيها يفرق كل أمر فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ )) [1]

وقيل سميت ليلة القدر من باب التعظيم لأنها ذات قيمة وقدر ومنزلة عند الله تعالى لنزول القرآن فيها كما قال تعالى ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ))[2] .

وقيل سميت بليلة القدر لما يقع فيها من تنزل الملائكة ، ولما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة ، وأن الذي يحييها يصير ذا قدر ، ولأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة .


ولقد نوه الله تعالى بشأنها فقال سبحانه ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ))[3] .

أي أن العمل في هذه الليلة المباركة يعدل ثواب العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، وألف شهر ثلاثة وثمانون عامًا وزيادة ، فهذا مما يدل على فضل هذه الليلة العظيمة ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحراها ويقول (( مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))[4]


وأخبر سبحانه وتعالى أنها تنزل فيها الملائكة والروح ، وهذا مما يدل على عظم شأنها وأهميتها لأن نزول الملائكة لا يكون إلا لأمر عظيم ((تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)) .

وصح الحديث بذكر هذه الكثرة فعن أَبِي هُرَيْرَةَ (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ ، إِنَّ الْمَلائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى ))[5]


ثم وصفها الله تعالى بأنها ((سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)) وهذا يدل على ما فيها من خير عميم وبركة عظيمة ، وفضل ليس له مثيل ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ))[6] وعند ابن ماجه (( دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلا مَحْرُومٌ ))[7] .


قال الإمام مالك رحمه الله : أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ .[8]


معنى إيمانًا واحتسابًا :

علق الله تعالى نيل المغفرة في ليلة القدر على هذين الشرطين (( الإيمان والاحتساب )) ومعنى ذلك :

إيماناً : تصديقاً بثواب اللّه أو أنه حق ، أي الإيمان بأنه من أمر الله ومن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بحقيقة هذا الثواب .

واحتساباً : لأمر اللّه به طالباً الأجر من وراء هذا العمل ، أو إرادة وجه اللّه لا لنحو رياء فقد يفعل المكلف الشيء معتقداً أنه صادق لكنه لا يفعله مخلصاً بل لنحو خوف أو رياء .


ذكر الأحاديث التي جاءت في تحديد ليلة القدر :

الأحاديث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحري ليلة القدر جاءت على ثلاثة أوجه نذكرها فيما يلي :

الوجه الأول : الحث على التماسها في الليالي الفردية من العشر الأواخر :

ـ (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ ، قَالَ : فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ : إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ ، قَالَ : وَإِنِّي أُريْتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ ، فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ ، فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ ، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ))[9]


ـ (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، قَالَ : فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ ؛ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ ))[10]


ـ (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ وَسَأَلُوهُ عَنْ لَيْلَةٍ يَتَرَاءَوْنَهَا فِي رَمَضَانَ قَالَ : لَيْلَةُ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ ))[11] ، وعند الطبراني (( تحروا ليلة القدر ليلة ثلاث و عشرين ))[12]


كما ورد أنها في ليلة الخامس والعشرين ، وذلك لأن القرآن الكريم نزل في هذه الليلة الكريمة كما صح بذلك الحديث ، وقد قال تعالى ((إنا أنزلناه في ليلة القدر)) .

ـ (( عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَع ِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ))[13] .


ـ (( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ فَقَالَ : هِيَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ أَوْ فِي الْخَامِسَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ))[14] .


ـ (( عن معاوية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ))[15] . ‌

ـ (( عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ))[16]

ـ (( عن عُبَادَة بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ ))[17]

ـ (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ قَالَ : لا أَحْسَبُ مَا تَطْلُبُونَ إِلا وَرَاءَكُمْ ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَالَ : لا أُحْسَبُ مَا تَطْلُبُونَ إِلا وَرَاءَكُمْ ، فَقُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى أَصْبَحَ وَسَكَتَ ))[18].

الفلاح : يعني السحور .

ـ (( عن زر بْنَ حُبَيْشٍ قال : سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ : إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ؟ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَرَادَ أَنْ لا يَتَّكِلَ النَّاسُ ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ حَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقُلْتُ : بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ؟ قَالَ : بِالْعَلامَةِ أَوْ بِالآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لا شُعَاعَ لَهَا ))[19] .


ـ (( عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَاطْلُبُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا ))[20] .

ـ (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُلْتَمِسًا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وِتْرًا ))[21]

الوجه الثاني من الأحاديث : هو تحري ليلة القدر في الليالي الزوجية :

ـ عن معاوية رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان ))[22] . ‌

وهذا يحتمل أن تكون هذه الليلة زوجية أو فردية .

ـ (( عن أبي نضرة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَإِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِهَا فَجَاءَ رَجُلانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنُسِّيتُهَا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ .

قَالَ قُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا ، قَالَ : أَجَلْ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ ، قَالَ قُلْتُ : مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟

قَالَ : إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهِيَ التَّاسِعَةُ فَإِذَا مَضَتْ ثَلاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ ))[
23] .

فهذا تفسير أبي سعيد رضي الله عنه بأنها في الليالي الزوجية ، وهو الذي روى حديث ليلة الحادي والعشرين كما تقدم ، مما يدل على أن ليلة القدر قد تكون في الليالي الزوجية أيضًا .

ـ (( عن ابْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ ؛ وَعَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْتَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ))[24]

وفي هذا الأثر قصة رواها عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ وَعَاصِم أَنَّهُمَا سَمِعَا عِكْرِمَة يَقُول :

قَالَ اِبْن عَبَّاس : دَعَا عُمَر أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر , فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَشْر الأَوَاخِر , قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَقُلْت لِعُمَر إِنِّي لأَعْلَمُ - أَوْ أَظُنُّ - أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ , قَالَ عُمَر : أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ ؟ فَقُلْت : سَابِعَةٌ تَمْضِي أَوْ سَابِعَة تَبْقَى مِنْ الْعَشْر الأَوَاخِر , فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْت ذَلِكَ ؟ قُلْت خَلَقَ اللَّه سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَسَبْع أَرْضِينَ وَسَبْعَة أَيَّام وَالدَّهْر يَدُور فِي سَبْع وَالإِنْسَان خُلِقَ مِنْ سَبْع وَيَأْكُل مِنْ سَبْع وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْع وَالطَّوَاف وَالْجِمَار وَأَشْيَاء ذَكَرَهَا , فَقَالَ عُمَر : لَقَدْ فَطِنْت لأَمْرٍ مَا فَطِنَّا لَهُ ))

وأخرج هذه القصة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده وَالْحَاكِم وفيها : (( فَقَالَ عُمَر أَعْجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلامِ الَّذِي مَا اِسْتَوَتْ شُؤُونُ رَأْسِهِ )) .

ـ (( عَنْ بِلالٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ))[25] .

ـ (( عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ قَامَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِيهَا لَمْ يَقُمْ بِنَا فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ قَامَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَذْهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ ، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ قَالَ لا إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِيهَا لَمْ يَقُمْ بِنَا ، فَلَمَّا أَنْ كَانَتْ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَهُ وَاجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَادَ يَفُوتُنَا الْفَلاحُ ، قَالَ قُلْتُ وَمَا الْفَلاحُ قَالَ السُّحُورُ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا يَا ابْنَ أَخِي شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ ))[26] .

وعند النسائي (( صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنْ الشَّهْرِ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ كَانَتْ سَادِسَةٌ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا ، فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ، قَالَ ثُمَّ كَانَتْ الرَّابِعَةُ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا ، فَلَمَّا بَقِيَ ثُلاثٌ مِنْ الشَّهْرِ أَرْسَلَ إِلَى بَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ وَحَشَدَ النَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاحُ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ ))[27] .


الوجه الثالث من الأحاديث : فيه الجمع بين الأثنين وهو تحري ليلة القدر في جميع ليالي العشر الأواخر :

ـ (( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ))[28] .

ـ (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ ))[29]

ـ (( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى ))[30] ولفظ أحمد (( الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى أَوْ خَامِسَةٍ تَبْقَى أَوْ سَابِعَةٍ تَبْقَى )) .

وهذا يحتمل أن تكون ليلة القدر في الليالي الفردية أو الزوجية على السواء لأن الشهر قد يصل إلى ثلاثين أو ينقص إلى تسع وعشرين .

ـ (( عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ مَتَى هَاجَرْتَ قَالَ خَرَجْنَا مِنْ الْيَمَنِ مُهَاجِرِينَ فَقَدِمْنَا الْجُحْفَةَ فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ فَقُلْتُ لَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ : دَفَنَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ خَمْسٍ قُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ شَيْئًا قَالَ نَعَمْ أَخْبَرَنِي بِلالٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فِي السَّبْعِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ))[31]

ـ (( عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ ))[32].

ـ (( عن ابْن عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي ))[33] .


ـ (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ ))[34]

قال النووي : قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُون فِي أَوَاخِر الشَّهْر ; لأَنَّ الْقَمَر لا يَكُون كَذَلِكَ عِنْد طُلُوعه إِلا فِي أَوَاخِر الشَّهْر . وَاَللَّه أَعْلَم .

الخلاصة

يتبين بعد سرد الأحاديث المتنوعة في ذكر ليلة القدر أن ليلة القدر ليست بليلة ثابتة ، بل هي متنقلة بين الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان ، وقد تأتي في الليالي الفردية منها أو الزوجية على السواء ، فينبغي لمن أراد أن يرزق خيرها ولا يحرم منها أن يجتهد في طلبها طيلة الليالي العشر دون أن تفوته ليلة منها .

قال أبو قلابة : ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر .


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَكَذَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (هِيَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ) . وَتَكُونُ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا .

لَكِنَّ الْوِتْرَ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي فَتُطْلَبُ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ .

وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (لِتَاسِعَةٍ تَبْقَى ، لِسَابِعَةٍ تَبْقَى ، لِخَامِسَةٍ تَبْقَى ، لِثَالِثَةٍ تَبْقَى ) .

فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّهْرُ ثَلاثِينَ يَكُونُ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْأَشْفَاعِ . وَتَكُونُ الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرِينَ تَاسِعَةً تَبْقَى وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةً تَبْقَى . وَهَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الخدري فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . وَهَكَذَا أَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّهْرِ .

وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي . كَالتَّارِيخِ الْمَاضِي .

وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ هَكَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّاهَا الْمُؤْمِنُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ جَمِيعِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (تَحَرَّوْهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ) وَتَكُونُ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ أَكْثَرَ . وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ كَمَا كَانَ أبي بْنُ كَعْبٍ يَحْلِفُ أَنَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ . فَقِيلَ لَهُ : بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْت ذَلِكَ ؟ فَقَالَ بِالآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صُبْحَةَ صَبِيحَتِهَا كَالطَّشْتِ لا شُعَاعَ لَهَا) .

فَهَذِهِ الْعَلَامَةُ الَّتِي رَوَاهَا أبي بْنُ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَشْهَرِ الْعَلامَاتِ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ رُوِيَ فِي عَلامَاتِهَا (أَنَّهَا لَيْلَةٌ بلجة مُنِيرَةٌ) وَهِيَ سَاكِنَةٌ لا قَوِيَّةُ الْحَرِّ وَلا قَوِيَّةُ الْبَرْدِ وَقَدْ يَكْشِفُهَا اللَّهُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْمَنَامِ أَوْ الْيَقَظَةِ . فَيَرَى أَنْوَارَهَا أَوْ يَرَى مَنْ يَقُولُ لَهُ هَذِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الأَمْرُ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .[35]



رؤية ليلة القدر في المنام :

من الممكن أن يرى المؤمن في منامه من الرؤيا ما يدله على معرفة ليلة القدر ، وقد ثبت هذا بالأحاديث الصحيحة :

(( عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ فَكَأَنِّي لا أُرِيدُ مَكَانًا مِنْ الْجَنَّةِ إِلا طَارَتْ إِلَيْهِ وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى رُؤْيَايَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَكَانُوا لا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ))[36]

قال النووي في شرح مسلم : وَاعْلَمْ أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر مَوْجُودَة كَمَا سَبَقَ بَيَانه فِي أَوَّل الْبَاب , فَإِنَّهَا تُرَى , وَيَتَحَقَّقهَا مَنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ بَنِي آدَم كُلّ سَنَة فِي رَمَضَان كَمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأَحَادِيث السَّابِقَة فِي الْبَاب , وَإِخْبَار الصَّالِحِينَ بِهَا وَرُؤْيَتهمْ لَهَا أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَر , وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض : عَنْ الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة لا يُمْكِن رُؤْيَتهَا حَقِيقَة , فَغَلَط فَاحِش , نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلا يُغْتَرّ بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

ومر بنا قول شيخ الإسلام : وَقَدْ يَكْشِفُهَا اللَّهُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْمَنَامِ أَوْ الْيَقَظَةِ . فَيَرَى أَنْوَارَهَا أَوْ يَرَى مَنْ يَقُولُ لَهُ هَذِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الأَمْرُ .


أفضل الدعاء في ليلة القدر :

ـ (( عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا ؟ قَالَ : قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ))[37]


علامات ليلة القدر :

ـ (( عَنْ أَبِي عَقْرَبٍ قَالَ غَدَوْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدْتُهُ فَوْقَ بَيْتِهِ جَالِسًا فَسَمِعْنَا صَوْتَهُ وَهُوَ يَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ ، فَقُلْنَا سَمِعْنَاكَ تَقُولُ صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ ، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي النِّصْفِ مِنْ السَّبْعِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدَاتَئِذٍ صَافِيَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَوَجَدْتُهَا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))[38]


ـ (( عن زر بْنَ حُبَيْشٍ قال : سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ : إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ؟ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَرَادَ أَنْ لا يَتَّكِلَ النَّاسُ ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ حَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقُلْتُ : بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ؟ قَالَ : بِالْعَلامَةِ أَوْ بِالآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لا شُعَاعَ لَهَا )) هذا لفظ مسلم .. وعند أبي داود (( تُصْبِحُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِثْلَ الطَّسْتِ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ )) .. وعند أحمد (( عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ تَذَاكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَالَ أُبَيٌّ أَنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ تَمْضِي مِنْ رَمَضَانَ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ تُصْبِحُ الْغَدَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَرَقْرَقُ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ فَزَعَمَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ أَنَّ زِرًّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَصَدَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَدْخُلُ رَمَضَانُ إِلَى آخِرِهِ فَرَآهَا تَطْلُعُ صَبِيحَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ تَرَقْرَقُ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ )) [39]


ـ (( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ حِسْبَتِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَهِيَ لَيْلَةُ وِتْرٍ تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ ثَالِثَةٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ ، لا بَرْدَ فِيهَا وَلا حَرَّ ، وَلا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَلا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ ))[40] .


ـ (( عن ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم : ليلة القدر ليلة سمحة طلقة لا حارة و لا باردة تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء ))[41] . ‌


ـ (( عن واثلة قال صلى الله عليه وسلم : ليلة القدر ليلة بلجة لا حارة و لا باردة ولا يرمى فيها بنجم ومن علامة يومها تطلع الشمس لا شعاع لها ))[42] . ‌


ليلة القدر هل هي باقية أم رفعت ؟

ـ (( عن أبي مَرْثَد قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ كُنْتَ سَأَلْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ قَالَ : أَنَا كُنْتُ أَسْأَلَ النَّاسِ عَنْهَا ، قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفِي رَمَضَانَ هِيَ أَوْ فِي غَيْرِهِ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ فِي رَمَضَانَ ، قَالَ قُلْتُ : تَكُونُ مَعَ الأَنْبِيَاءِ مَا كَانُوا فَإِذَا قُبِضُوا رُفِعَتْ أَمْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، قَالَ قُلْتُ : فِي أَيِّ رَمَضَانَ هِيَ ؟ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأُوَلِ أَوْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ، ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثَ ثُمَّ اهْتَبَلْتُ وَغَفَلْتُهُ قُلْتُ فِي أَيِّ الْعِشْرِينَ هِيَ ؟ قَالَ : ابْتَغُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ لا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ، ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثَ ثُمَّ اهْتَبَلْتُ وَغَفَلْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَنِي فِي أَيِّ الْعَشْرِ هِيَ ؟ قَالَ : فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ مُنْذُ صَحِبْتُهُ أَوْ صَاحَبْتُهُ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ لا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ))[43]


ـ (( عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَحْنَس قُلْت لأَبِي هُرَيْرَة : زَعَمُوا أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر رُفِعَتْ , قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ))[44]


هذا والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .


--------------------------------------------------------------------------------

[1] الدخان (4) .

[2] الدخان (3) .

[3] سورة القدر .

[4] رواه البخاري في كتاب الإيمان باب قيام ليلة القدر من الإيمان (35) ، ومسلم في صلاة المسافرين (1268) ، والترمذي في الصوم (619) ، والنسائي في الصيام (2169) ، وأبو داود في الصلاة (1165) ، وأحمد (6873) ، والدارمي في الصوم (1711) .

[5] رواه أحمد (10316) ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5472) .

[6] رواه النسائي في الصيام عن أبي هريرة (2079) ، وأحمد (6851) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (55) .

[7] رواه ابن ماجه في الصيام باب ما جاء في فضل رمضان (1634) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2247) .

[8] الموطأ (1/207) .

[9] رواه البخاري في صلاة التراويح (2018) ، ومسلم في الصيام باب فضل ليلة القدر (1994) واللفظ له ، والنسائي في السهو (1339) ، وأبو داود في الصلاة (1174) ، وأحمد (10757) ، ومالك في الاعتكاف (611) .

[10] رواه مسلم في الصيام باب فضل ليلة القدر (1997) ، وأحمد (15467) .

[11] رواه أحمد (15466) وقال الزين في المسند (12/429) : إسناده صحيح .

[12] رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع (2923) .

[13] رواه أحمد (16370) ، ورواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1497) .

[14] رواه أحمد (21032) وصححه الألباني في صحيح الجامع (5471) .

[15] رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع (1240) .

[16] رواه أبو داود في الصلاة باب من قال سبع وعشرون (1178) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5474) .

[17] رواه البخاري في الإيمان باب خوف المؤمن أن يحبط عمله (49) ، ومالك في الاعتكاف (615) ، والدارمي في الصوم (1715) .

[18] رواه أحمد (20585) ، وقال الزين في المسند (16/24) : إسناده صحيح .

[19] رواه مسلم (1999) ، والترمذي في تفسير القرآن (3274) ، وأبو داود في الصلاة (1170) ، وأحمد (20247) .

[20] رواه مسلم في الصيام باب فضل ليلة القدر (1987) ، وأحمد (4442) .

[21] رواه أحمد (281) وقال أحمد شاكر في المسند (1/292) : إسناده صحيح .

[22] رواه محمد بن نصر في الصلاة وصححه الألباني في صحيح الجامع (1238) .

[23] رواه مسلم في الصيام باب فضل ليلة القدر (1996) ، وأحمد (10654) .

[24] رواه البخاري في صلاة التراويح باب تحري ليلة القدر (2022) ، وأبو داود في الصلاة (1173) ، وأحمد (1948) .

[25] رواه أحمد (2765) وقال الزين في المسند (17/163) : إسناده صحيح ، ورواه الطبراني في الكبير (1/360) ، وحسنه الهيثمي (3/176) .

[26] رواه أحمد (20450) ، وقال الزين في المسند (15/520) : إسناده صحيح ، وانظر التالي .

[27] رواه النسائي في السهو باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف (1347) ، والترمذي في الصوم (734) ، وأبو داود في الصلاة (1167) ، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1317) ، والدارمي في الصوم (1713) ، وصححه الألباني في صحيح النسائي (1/439) .

[28] رواه البخاري في صلاة التراويح باب تحري ليلة القدر (2017) ، ومسلم في الصيام (1998) ، والترمذي في الصوم (722) ، وأحمد (23100) .

[29] رواه مسلم في الصيام باب فضل ليلة القدر (1992) ، وأحمد (7546) ، والدارمي في الصوم (1716) .

[30] رواه البخاري في صلاة التراويح باب تحري ليلة القدر (2021) ، وأبو داود في الصلاة (1173) ، وأحمد (1948) ،

[31] رواه البخاري في المغازي باب بعث النبي r أسامة (4470) .

[32] رواه البخاري في صلاة التراويح باب التماس ليلة القدر (2015) ، ومسلم في الصيام (1985) ، وأحمد (4270) .

[33] رواه مسلم في الصيام باب فضل ليلة القدر (1989) ، وانظر السابق .

[34] رواه مسلم في الصيام باب فضل ليلة القدر (2001) .

[35] مجموع الفتاوى (25/285) .

[36] رواه البخاري في كتاب الجمعة باب فضل من تعار من الليل فصلى (1158) .

[37] رواه الترمذي في الدعوات وقال حسن صحيح ، وابن ماجه في الدعاء (2840) ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (3/170) .

[38] رواه أحمد (3664) ، وقال أحمد شاكر في المسند (4/232) : إسناده صحيح .

[39] رواه مسلم (1999) ، والترمذي في تفسير القرآن (3274) ، وأبو داود في الصلاة (1170) ، وأحمد (20247) .

[40] رواه أحمد في المسند (21702) وقال الزين في المسند (16/415) : إسناده صحيح .

[41] رواه الطيالسي وابن نصر وابن خزيمة وأبو نعيم وغيرهم ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5475) .

[42] رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5472 ) .

[43] رواه أحمد (20523) ، وقال الزين في المسند (15/547) : إسناده صحيح .

[44] رواه عبدالرزاق في مصنفه


نقلا عن موقع طريق الإيمان

http://www.emanway.com

الصيام يطيل العمر ويزيد فترة الخصوبة

أحدث الأبحاث العلمية

الصيام يطيل العمر ويزيد فترة الخصوبة

طارق قابيل



أكدت دراسة قام بها عدد من الباحثين بكلية الطب جامعة هارفارد الأمريكية أن للصوم أو الامتناع عن الأكل لفترة أثرا كبيرا في علاج أنواع عديدة من الحالات المرضية، وشددت الدراسة على أن للصيام فوائد عديدة، منها إطالة الأعمار، ومد فترات الخصوبة في الكائنات الحية؛ الأمر الذي سيساعد على فهم مد فترات الخصوبة عند النساء وبالتالي قدرتهن على الإنجاب، وبالرغم من أن التجارب أجريت على الحيوانات فقط حتى الآن، فإنها تعطي ملامح أولية لما سيكون عليه الحال عند البشر.

وتشير النتائج إلى أن الصوم قد يعوض بعض التردي في نوعية وكمية البويضات؛ الأمر الذي يحدث مع ارتفاع عمر المرأة، كما أظهرت النتائج أيضا قدرة الجسم على إنتاج بويضات جديدة من الصفر.

وتم الكشف عن نتائج هذه الدراسة في أغسطس 2009 بواحدة من أكبر الدوريات العلمية المتخصصة أظهرت مفاجأة جديدة تتعلق بتأثيرات الصيام على البويضات.

خطوات الدراسة

في الدراسة الأولى خفض "جوناثان تيلي" وزملاؤه في كلية الطب بجامعة هارفارد السعرات الحرارية في الغذاء المقدم لإناث الفئران المسنات، فلاحظ العالم أن متوسط سن الإنجاب لدى الفئران ارتفع ليصل إلى سن 12 شهرا عند 40% منها، ووجد فريق البحث أن نسبة البويضات المحتوية على كروموسومات شاذة أقل بكثير من البويضات التي أنتجتها الفئران التي سمح لها بتناول كل ما تريد.

ومن المعروف أن زيادة هذه التشوهات في البويضات تؤدي للكثير من مخاطر الإجهاض وعيوب الولادة في الأمهات الأكبر سنا، في الفئران والإنسان على حد سواء.

وسيقوم "تيلي" بعرض هذه النتائج في اجتماع منظمة "سينز" SENS لدراسات إستراتيجيات هندسة تجاهل الشيخوخة (Strategies for Engineered Negligible Senescence) في مؤتمر في كامبريدج بالمملكة المتحدة الأسبوع المقبل.

وأظهرت البحوث أن كل ما يعرفه العلماء عن الآليات التي تشارك في تنظيم نمو وتنمية وجودة البويضات البشرية ما زال قليلا، ومن الواضح أن الصوم يؤثر على آلية ما لم يتم اكتشافها بعد، تسمح بتعديل مسارات الإشارات الكامنة للجينات المتحكمة في تنظيم آليات نمو وتطور وجودة البويضات البشرية.

أحد الاحتمالات المباشرة لتفسير هذه النتائج هو أن تقييد الاستهلاك الغذائي يؤثر على التفاعلات بين البويضات النامية والخلايا المساندة لها، أو أنه يمكن أن يغير من نشاط خطوط الخلايا الجذعية الجرثومية، والتي يظن البعض أن بإمكانها تجديد المبايض الناضبة تحت الظروف المناسبة.

تجويع الديدان يزيد أعمارها!

ولا تعتبر الدراسة السابقة الأولى من نوعها؛ حيث قام فريق بحث يرأسه "مارك فان جليست" و"جيانا أنجيلو" من مركز "فريد هتشنسون" لأبحاث السرطان بمدينة سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية بعمل تجربة، وهي تصويم الديدان عن الطعام لفترة، ثم منحها إياها؛ وهو ما أدى إلى زيادة أعمارها بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف.

وأظهرت الدراسة أن تجويع الديدان الخيطية (النيماتودا) يمكن أن يؤدي إلى توقف عملية التكاثر في هذه الديدان، كما يقوم الجسم بتدمير جميع الخلايا الجنسية المتواجدة به، ثم يعود بعد ذلك لإنتاج مجموعة جديدة من البويضات السليمة من الخلايا الجذعية القليلة المتبقية داخل الجسم عندما تتحسن الظروف.

ويفسر "فان جليست" هذه النتائج بأن هناك بروتينا إشاريا يسمى NHR-49 معروف أنه يشارك في استجابة عمليات التمثيل الغذائي لتأثيرات الصيام، ويؤكد أن الديدان التي تحمل جينات خاملة لهذا البروتين لم تستطع استعادة قدرتها الإنجابية وخصوبتها بعد الصيام.

من الدودة إلى الإنسان

وبالطبع فالإنسان ليس هو الكائن الحي الوحيد الذي يصوم؛ فقد تبين لعلماء الطبيعة أن معظم المخلوقات الحية تمر بفترة صوم اختيارية مهما توفرت ألوان الغذاء من حولها؛ فالطيور والأسماك والحيوانات تصوم بصور مختلفة وفصول مختلفة بمحض إرادتها.

ومثلما يحدث في الكائنات الدنيا فيعتقد "فان جليست" أن ذات العمليات التي تحدث داخل جسم الدودة تحدث في جسم الإنسان، ولكن لم يتم بعد اختبار هذه الآلية على البشر، كما أنه لم يتم التعرف على الإشارات الجينية اللازمة لتفعيل مثل هذا المسار من العمليات الحيوية حتى الآن، ويظن "فان جليست" أن مثل هذه الآليات قد تطورت لدى أسلافنا من البشر للمساعدة في الحفاظ على الخصوبة أثناء فترات المجاعات التي كانت تطول لبعض الوقت.

وإحدى هذه البروتينات التى يمكنها القيام بهذه المهمة في البشر يسمى "بي بي إيه آر جاما" PPAR gamma، وهو مشابه للبروتين الإشاري NHR-49 الذي يقوم بالسيطرة على معدل التبويض، وبالرغم من أنه ليس واضحا كم يلزم من السعرات الحرارية لتشغيل مثل هذا النظام في البشر فإن المعلومات التي توصل إليها العلماء مؤخرا تشير إلى الجزيئات الأساسية التي يمكن تحديدها، وإيجاد سبل لمعالجتها يمكنها المساعدة في علاج مجموعة متنوعة من مشاكل الخصوبة، وتستطيع تمديد عمر الأنثى التناسلي (الخصوبة).

وبشكل أساسي فإنه إذا فهم العلماء آلية التحكم في التبويض لدى النساء فإنه يمكن التحكم في توقيتاتها وإبطاء خطاها، وسيساعد ذلك بالطبع في مد سنوات خصوبة النساء لفترات طويلة، فهل يمكن أن يسمح الصيام للسيدات المسنات بالحمل والولادة؟ هذا هو السؤال الذي يحاول العلماء الإجابة عنه في الفترة المقبلة.

الصيام الإسلامي!

وتشير أغلب الدراسات العلمية الحديثة إلى أن الطب الحديث لم يعد يعتبر الصيام مجرد عملية إرادية يجوز للإنسان ممارستها أو الامتناع عنها، فبعد الدراسات العلمية والأبحاث الدقيقة على جسم الإنسان ووظائفه الفسيولوجية ثبت أن الصيام ظاهرة طبيعية يجب للجسم أن يمارسها حتى يتمكن من أداء وظائفه الحيوية بكفاءة، وأنه ضروري جدا لصحة الإنسان، تماما كالأكل والتنفس والحركة والنوم.

وقد أجمع الأطباء وجميع العلماء والباحثين على أنه لا ضرر مطلقا من صوم رمضان بالطريقة الإسلامية الصحيحة؛ لأن الجسم السليم يقوى على احتمال الجوع والعطش لمدة أربع وعشرين ساعة دون أن يناله أي ضرر، ويغنينا قول الرسول الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى عن قول جميع الأطباء؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «صوموا تَصِحُّوا». [1]

ويقول تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة 183) ويقول جل وعلا {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} (البقرة 184)، فمتى يكتشف العلم الحديث السر في قوله تعالى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}؟


هوامش ومصادر:

[1] بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام) : 93 / 255 .
Tilly: Aging Cell, DOI: 10.1111/j.1474-9726.2008.00409.x;

Van Gilst: Science DOI: 10.1126/science.1178343.


نقلا عن موقع إسلام أونلاين

الأحداث العظام في شهر الصيام


كتبه/ محمد سرحان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان شهر رمضان -هذا الشهر المبارك- ميدانـًا لأحداث هي من أعظم الأحداث التي مرت في تاريخ الأمة، بل في تاريخ البشرية؛ فيه ولد العالم من جديد، وولدت الأرض ولادة جديدة، يوم أن وقع فيها أعظم حدث على ظهرها؛ ففي رمضان قبل الهجرة بثلاثة عشر عامًا سعد هذا الكوكب الأرضي بأروع لحظة من لحظات حياته، وشهد أعظم حادث وقع على ظهره، فكان هذا الحادث فرقانـًا في تاريخ البشرية كلها، وإيذانـًا بمولد عالم جديد؛ يوم أن تفضل الإله العظيم -سبحانه وتعالى- الجليل مالك الملك على هذا الكوكب الأرضي الصغير، وخصه بإكرامه؛ فاختار من بين الخليقة محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ ليكون رسوله إلى أهل الأرض جميعًا، يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويخرجهم من الظلمات إلى النور -بإذن الله تعالى-، ويسلك بهم صراط العزيز الحميد.

في هذا اليوم الأغر المحجل... كان نزول الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ قال الله -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185).

وفي السنة الثانية من الهجرة المباركة في السابع عشر من رمضان: كان يوم الفرقان، يوم أول لقاء بين كتيبة الإسلام المؤمنة بقيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكتيبة الكفر بقيادة فرعون الأمة "أبي جهل"، وفيها تنزل نصر الله -تعالى- على الفئة المؤمنة في غزوة بدر أول الغزوات الكبرى وأعظمها في تاريخ الإسلام، الغزوة التي بعدها تغير التاريخ لصالح المسلمين، وفيها طويت أكبر راية من رايات الجاهلية السود، وهوى أضخم صنم من أصنام الشرك في جزيرة العرب؛ قتل فرعون الأمة وأكبر طاغية عرفته جزيرة العرب "أبو جهل"، وغـُيب مع غيره من صناديد الكفر في جوف "قليب بدر" السحيق.

وفي السنة الثالثة من الهجرة، وفي رمضان: عبأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- جيشًا في المدينة؛ لصد عدوان المشركين الذين كانوا يستعدون للثأر لقتلاهم في بدر.

وفي السنة الخامسة من الهجرة: كان استعداد النبي -صلى الله عليه وسلم-لغزوة الخندق التي كانت في شوال من هذه السنة على أصح القولين، وكان من الاستعدادات حفر الخندق الذي استغرق شهرًا كما يقول ابن القيم -رحمه الله-.

وفي رمضان من السنة السادسة من الهجرة: كانت سرية غالب بن عبد الله لقتال بني عبد الله بن ثعلبة بعد أن أعلنوا عداوتهم للمسلمين، فانتصر وغنم.

وفي العشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة: كان الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته من أيدي المشركين، الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا؛ إنه فتح مكة، وفيه حَطمت أيدي المؤمنين الأصنام التي كان يعبدها أهل الجاهلية، بعد أن تحطمت قيمتها ومكانتها في القلوب.

وفي رمضان سنة تسع للهجرة: قرت عين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإسلام "ثقيف" بعد إباء عنيد، ونفور جامح دام عشرين عامًا.

وفي رمضان من نفس السنة: كانت عودة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزة تبوك المظفرة.

وفي رمضان من السنة الثالثة عشر للهجرة: كانت وقعة "البويب" بين المسلمين بقيادة المثنى بن حارثة -رضي الله عنه-، والفرس بقيادة "مهران"، كانت معركة رهيبة قتل فيها من الفرس قرابة المائة ألف، وقتل أيضًا من سادات المسلمين بشرٌ كثير، وذلت لهذه الموقعة رقاب الفرس، وتمكن الصحابة -رضي الله عنهم- من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة، وغنموا شيئًا عظيمًا لا يمكن حصره.

وفي رمضان من العام الثالث والخمسين للهجرة: افتتح المسلمون وعليهم جنادة بن أبي أمية جزيرة "رودس".

ولليلتين بقيتا من رمضان من العام الحادي والتسعين من الهجرة المباركة: كان فتح الأندلس، التي لقبت بعد ذلك بـ"درة التاج الإسلامي" على يد طارق بن زياد -رحمه الله-، بعد أن التقى جيشه الذي قوامه اثنا عشر ألفـًا بجيش "لذريق" ملك إسبانيا، الذي تعداده مائة ألف في وادي "لكه"، واتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خلون من شوال، وهزم الله المشركين، ونصر المسلمين نصرًا مؤزرًا.

وفي العام الثاني بعد المائة الأولى من الهجرة: كانت فتوح المسلمين في فرنسا على يد القائد الفذ "السمح بن مالك الخولاني"، والتي بدأت على يد "عبد العزيز بن موسى بن نصير"، وامتدت بعد "السمح بن مالك" على يد "عنبسة بن سُحيم الكلبي"، حتى وصل المسلمون إلى مدينة "سانس" عاصمة إقليم "يوند" على بعد ثلاثين كيلومتر فقط جنوب باريس.

وفي رمضان سنة مائتين وثلاث وعشرين: اقتحم "المعتصم بن الرشيد" حصون "عَمُّورية" في مائة وخمسين ألفـًا من جنوده، وفتح المدينة التي عزَّت على الفاتحين منذ عهد الإسكندر المقدوني، وتجهز المعتصم جهازًا لم يسبق لخليفة من خلفاء المسلمين أن تجهز مثله، وكانت "عمورية" عند الروم أشرف من "القسطنطينية"، وكانت روح النصرانية، والطريق المؤدية إلى القسطنطينية، وكانت وقعة عمورية غرة في جبين الدهر، ودرة في تاريخ الإسلام، وتاجًا زان مفرق المعتصم، وكان الفتح في نفس يوم بدر في السابع عشر من رمضان.

وفي الرابع عشر من رمضان 264هـ: سقطت سرقوسة من جزيرة صقلية على يد جعفر بن محمد، وكان سقوطها كارثة كبرى لبيزنطة وسياستها الحربية، فقد انهارت الجهود الجبارة التي بذلتها لسنوات طويلة لإعادة النفوذ البيزنطي على ساحل البحر الأدرياتي.

وفي 559هـ: كانت وقعة "حارم" بين نور الدين محمود والفرنجة؛ فكسرهم كسرة فظيعة، وأسر قادتهم، وقتل منهم عشرة آلاف وقيل: عشرين ألفـًا.

وفي 584هـ: كان فتح "الكرم وصفد"، وإنقاذهما من أيدي الفرنجة على يد صلاح الدين.

وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان سنة ستمائة وثمان وخمسين للهجرة النبوية: شهد العالم الإسلامي يومًا من أيام الله -تعالى-، أعز الله فيه المسلمين من هوان، وقواهم من ضعف، وآمنهم من خوف، ونصرهم على عدو يفوقهم في العدة، ويزيد عليهم أضعافـًا مضاعفة في العدد.

وفي هذا اليوم الأغر كانت وقعة "عين جالوت" التي على إثرها اندحر خطر التتار، وزال تهديدهم للمسلمين، وكف الله شرهم عن البلاد والعباد.

وفي الرابع عشر من رمضان سنة ستمائة وست وستين: شهد تاريخ الإسلام يومًا من أعظم أيامه، وفتحًا من أجل فتوحه، وهو اليوم الذي حررت فيه مدينة "أنطاكية" من أيدي الصليبيين، على يد الملك البطل "الظاهر بيبرس" بعد أن كانت تلك المدينة -بعد أن استولى عليها الصليبيين- منطلقـًا لهم لحرب المسلمين، وطريقـًا إلى بيت المقدس، وشجًى في حلوق المسلمين، وبعد أن خضعت للصليبيين ما يقارب قرنين من الزمان.

وفي رمضان 673هـ: كان فتح "أرمينيا الصغرى"، وتحقيق نصر عظيم على "النصارى الأرمن" الذين كانوا عونـًا للحملات الصليبية والمغول ضد المسلمين، وكان ذلك على يد الظاهر بيبرس -رحمه الله-.

وفي رمضان 702هـ: كانت معركة "شقحب" أو معركة "مرج الصُّفـَّر"، وكانت مع المغول الذين حاولوا في عهد "قازان حفيد هولاكو" تحطيم سلطة المسلمين في مصر، واسترداد الأرض المقدسة وتسليمها للنصارى، وكان على قيادة المسلمين الخليفة "المستكفي بالله" والسلطان الناصر "محمد بن قلاوون الصالحي"، وهي المعركة التي شارك فيها شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله-، وكان له الجهد الكبير في شحذ همم المسلمين بمواعظه وكلماته وسيفه، ورد الشبهات التي كانت عند بعض المسلمين، وكانت الغلبة في البداية للمغول، وما جاء الليل حتى كان الظفر والنصر للمسلمين.

وفي عام 829هـ: كان فتح جزيرة "قبرص" واستردادها من أيدي الصليبيين على يد "المماليك".

وفي عام 791هـ: كان فتح "البوسنة والهرسك"، ومعركة "قوص أوه" أو "قوصرة"، وكانت معركة حاسمة بين المسلمين والصرب؛ انتصر المسلمين فيها انتصارًا عظيمًا بقيادة السلطان "مراد الأول العثماني"، وأخذ الإسلام ينتشر بعدها في تلك البقاع حتى تحولت مناطق كاملة إلى الإسلام كما هو الحال في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، وغيرها.

وفي الخامس والعشرين من رمضان لعام تسعمائة وسبع وعشرين من الهجرة: كان فتح "بلجراد" عاصمة "المجر" على يد السلطان العثماني "سليمان القانوني".

وفي العاشر من رمضان 1393هـ:

أفاق المسلمون من وهم الولاء والمحاربة في سبيل دعاوى باطلة لأفكار وضعية وعنصرية وطنية مقيتة، ورفعوا راية العبودية بتكبير الله، وتمجيده، وتوحيده؛ فتنزلت منـَّة الله على عباده وجنده الموحدين في مصر بهزيمة اليهود، وعبور قناة السويس، وتحطيم خط بارليف، وأذل أولياءُ الله المسلمون أعداءَ الله اليهود في هذه الحرب؛ فالنصر حليف الإيمان والطاعة.

دارت على سيناء معركة الوغى فوق السهول وفي ربى وبـطاح

وكــتـائـب الإيـمـان تـهتـف كـلهـا "الـلـه أكـبـر" فـوق كـل سلاح

"الـلـه أكـبـر" زلـزلـت أركـانهم وكـأنـمـا يـشــدو بـها ابن ربـاح

ويا ليت الأمر استمر على ذلك ولم تعكر صفو هذا النصر تلك المحاولات الحثيثة لتشويه صورته، وتحويله في حس الناس إلى نصر قُطري وطني ضيق، يغرس في النفوس المعاني الجاهلية، ويفصل الناس عن الأسباب الحقيقية للنصر.

فاللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وصلِ اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

من أخطائنا في رمضان

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فشهر رمضان شهر الاجتهاد في العبادات والطاعات، والتقرب إلى الله -تعالى- بما يحب؛ لذا ينبغي على العبد فيه أن يكون في أفضل أحواله، وأن يُري الله -تعالى- منه كل خير ما استطاع؛ ولهذا فمن باب التناصح والتعاون على الخير، نذكر بعض الأخطاء والبدع التي تقع في رمضان، آملين أن يتجنبها الصائمون؛ ليسلم عملهم في رمضان منها، وهي متنوعة؛ منها: ما يتعلق بالاعتقادات والعبادات، ومنها: ما يتعلق بالأقوال والسلوكيات، وتختلف في أحكامها، فمنها: ما هو حرام، ومنها: ما هو مكروه، والمسلم في رحلته عبر الحياة -خاصة في رمضان- عليه أن يجتهد في السلامة من كل ذلك قل أو كثر، فمن ذلك:

- التساهل في الأخذ بالأحاديث الضعيفة -بل والموضوعة- ونشرها بين الناس؛ بدعوى الحثّ على الخير في شهر رمضان، فتتناقلها الألسن، وتـُلقى على الأسماع في الدروس الرمضانية والخطب، وتبليغ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعليمها للناس قربة وعبادة، ونسبة حديث للنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقله خطأ كبير؛ إذ يجب بينان ضعفه، أما الأحاديث الموضوعة فلا تذكر إلا ببيان أنها موضوعة، وفي الحديث المرفوع المتواتر: (مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (متفق عليه)؛ لذا وجب التثبت من كل حديث يُنسب للنبي -صلى الله عليه وسلم- ويعلم للناس، وهل يليق بالصائم العابد أن ينسب للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما لم يقله؟!

والعمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال عند القائلين بجوازه له ضوابط ينبغي التقيد بها فلتراجع، وأما في الأحكام والمعتقدات فلا.

وللأسف فهناك العشرات من الأحاديث الضعيفة والموضوعة يتداولها الناس بلا نكير في رمضان، فوجب التثبت والتحري، فمن أمثلة ذلك:

حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- المرفوع الطويل وفيه: "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آخر يوم من شعبان فقال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه... " الحديث، وهو مما يُلقى على المنابر، وتخصص له الدروس والمجالس في رمضان، وقد ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم: "871".

والحديث المرفوع: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان"، بيَّن بطلانه الحافظ "ابن رجب الحنبلي" في رسالته: "تبيين العجب بما ورد في فضل رجب".

والحديث المرفوع: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي"، لا يصح كما بينه الحافظ في: "تبيين العجب".

وحديث: "صوموا تصحوا" ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم: "253".

وحديث: "شهر رمضان معلق بين السماء والأرض، ولا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر"، ضعفه ابن الجوزي، وابن حجر، وهو في السلسة الضعيفة، وضعيف الجامع للألباني.

وحديث: "من اعتكف عشرًا في رمضان كان كحجتين وعمرتين"، حديث موضوع كما ذكر الألباني في السلسة الضعيفة والموضوعة برقم: "518"، وفي ضعيف الجامع الصغير، وضعيف الترغيب والترهيب.

وهذا باب واسع يجب التنبيه عليه والتحذير منه، وتوجيه العباد إلى ما صح من حديث وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومن الأخطاء: الغفلة عن تعويد الأولاد على الصيام من الصغر، وتعهد الأولاد وتدريبهم على العبادات الواجبة من الصغر مما أمر به الدين؛ خاصة "الصلاة، والصيام"، كما بيَّنه العلماء، فيؤمر الصبي بالصلاة لسبع سنين، ويضرب عليها لعشر، كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأخبرت الربيع بنت معوذ -رضي الله عنها-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ). قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. (متفق عليه).

فيغرس في الصغير حب الصيام، والتعود عليه بالترغيب في ثوابه، والثناء على الممتثل به مع إمكانية التدرج فيه خاصة مع طول النهار وشدة الحر، فهذا يصوم إلى ما بعد الظهر، وذاك إلى العصر حتى يصل به الأمر تدريجيًا إلى صيام اليوم كله بحسب القدرة.

وللأسف فإن أكثر المجاهرين بالفطر في رمضان من العصاة: إنما اعتاد الفطر من صغره، ولم يُدرب عليه، ويُسأل عنه فاستثقله.

ومن الأخطاء: الانشغال بالمبادرة إلى الطعام والشراب عند سماع أذان المغرب فلا يردد المرء الأذان مع المؤذن، وفي الحديث المرفوع في الصحيحين: (إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ) (متفق عليه)، فيضيع على الصائم ثواب الترديد، والكثيرون يتركون صلاة المغرب في المسجد في جماعة، في رمضان؛ بحجة تناول الإفطار، وهذا خلاف هديه -صلى الله عليه وسلم-، فيتناول الصائم ما يذهب عطشه، ويسد جوعه، ويصلي في جماعة المسجد، ويعود لبيته فيستكمل طعامه وشرابه، فينال ثواب الجماعة مع ما في ذلك من إراحة معدته، والتدرج بها على ألا يملأ معدته بالطعام فيثقل عليه قيام الليل، والاجتهاد بالعبادة فيه.

ومن الأخطاء: ترك الركعتين السنة البعدية بعد صلاة العشاء وهي سنة مؤكدة في رمضان وغيره، والكثيرون يصلون العشاء، ثم يقومون لصلاة التراويح فلا يصلوا ركعتي سنة ما بعد صلاة العشاء، ويغفلون عنها طوال شهر رمضان، مع مواظبتهم عليها في غير رمضان.

ومن الأخطاء في صلاة التراويح: حمل المأمومين للمصاحف ينظرون فيها متتبعين فيها ما يقرأ الإمام بهم في الصلاة، فيترك المصلي ما أمر به من وضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة، كما في الحديث عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-: (كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاَةِ) قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنـْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-. (رواه البخاري)، وينشغل بحمل المصحف ووضعه، وتقليب صفحاته، والواجب عليه الاستماع والإنصات لقراءة الإمام، والانشغال بتدبر وفهم ما يسمع.

ومما يحتاج لتصحيحه قولهم: "رمضان كريم"؛ يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- عن هذه الكلمة: "حكم ذلك أن هذه الكلمة "رمضان كريم" غير صحيحة، وإنما يقال: "رمضان مبارك"، أو ما أشبه ذلك؛ لأن رمضان ليس هو الذي يُعطي حتى يكون كريمًا، وإنما الله هو الذي وضع فيه الفضل، وجعله شهرًا فاضلاً، ووقتـًا لأداء ركن من أركان الإسلام" اهـ.

ومما يحتاج للتصحيح ما اعتاده الناس من طبع إمساكيات رمضان وفيه: تقاويم الشهر، وفيه توقيت للإمساك، ويجعل قبل أذان الفجر بنحو عشر دقائق أو ربع ساعة، والإمساك قبل الأذان بوقت هو زيادة على ما فرض الله -تعالى- على عباده، وفاعله متنطع، وفي الحديث المرفوع عن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ بِلاَلاً كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ) (متفق عليه)، وهذا الحديث بيان للمراد بالخيط الأبيض من الخيط الأسود في قوله -تعالى-: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة:187).

ومن الأخطاء الشائعة: تخفيف صلاة التراويح، والإسراع في قراءة القرآن فيها، بل ربما لا يكون فيها اطمئنان وخشوع، فضلاً عن تدبر ما يقرأ فيها، أو الإطالة والمبالغة في دعاء القنوت مع السجع فيه، والتزام أدعية معينة؛ خاصة عند ختم القرآن مما لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن صحابته -رضي الله عنهم-!

ومن الأخطاء الشائعة: تسميتهم آخر جمعة من رمضان: "الجمعة اليتيمة"! وتخصيصها بأمور وأحوال، كقول الخطباء على المنابر: "لا أوحش الله منك يا شهر رمضان، لا أوحش الله منك يا شهر القرآن، يا شهر المصابيح، يا شهر التراويح، يا شهر المفاتيح"، ونحو ذلك...

ومن الأخطاء الشائعة المتعلقة بليلة القدر: الجزم للعوام بأنها ليلة كذا... مع ما في ذلك من الخلاف، وما يصاحب تلك الليلة عندهم من الاحتفالات، والخطب، والقصائد والمدائح، والانشغال بذلك عن قيامها، والتعبد فيها، واعتقاد علامات لها لم تثبت شرعًا: كاشتراط نزول المطر فيها، ورؤية منامات ونحو ذلك.

ومن الأخطاء الشائعة أيضًا: الإسراف في الإنفاق على أنواع الأطعمة والأشربة، والفواكه، والحلويات المختلفة، والمخللات وفواتح الشهية، حتى صارت النفقة في رمضان على ذلك أضعاف ما ينفق في غيره من الشهور!

وخـَتم الشهر بعمل أنواع من الكعك والبسكويت ليوم العيد، وربما استدان المرء لذلك! وانشغل أهل البيت صغارًا وكبار بصنع ذلك عن التعبد، والذكر، وقراءة القرآن في ليالي العشر الأواخر من رمضان، وغالب ذلك من الإسراف المذموم والرياء بين الناس!!

ومن الأمور المؤسفة: ما يتهاون فيه الكثيرون من الكبائر؛ كترك إخراج الزكاة لسنوات عديدة، وترك أداء الحج مع القدرة المالية والبدنية عليه، والتعامل بالربا مع البنوك الربوية، وعدم المواظبة على الصلوات المكتوبة، أو قصر أداءها على رمضان، والجمع، أو التردي في الغيبة، والنميمة، والرشوة، والغش، ونحو ذلك من كبائر الأمور المنهي عنها، والتي بها يفقد المرء ثواب صيامه، فلا ينتفع بالامتناع عن المفطرات من أذان الفجر إلى أذان المغرب إلا بإسقاط فريضة الصيام عنه فلا يطالب بقضاء، ولكنه يوم القيامة من أصحاب الكبائر المستحقين لدخول النار بركن لم يؤده، أو بكبيرة لم يتب منها، ولو ترك هذا الصيام لزادت بذلك كبائره كبيرة.

ومن الأخطاء المتعلقة بمجيء رمضان في الإجازات الصيفية ونحوها من الإجازات: السفر للفسحة والتنزه، والاصطياف بأماكن ومنتجعات ومتنزهات وشواطئ تـُقترف فيها المعاصي: من الاختلاط بين الجنسين، والتعري، ونحو ذلك... مع ترك الصيام، وقصر الصلاة بدعوى أن للسفر رخصة، وقد بيَّن الفقهاء أن السفر الذي فيه الرخصة بذلك ما ليس سفر معصية، كسفر واجب أو مندوب أو مباح، أما سفر المعصية فلا يترك فيه صيام رمضان ولا تقصر فيه الصلاة لما في ذلك من الإعانة على المعصية.

ومما يكثر في الإجازات: السهر طوال الليل على المقاهي، أو الكورنيش، أو أمام التلفاز، أو مع الأصدقاء فيما لا يفيد، حتى وقت تناول السحور، ويعقبه نوم طويل في النهار، وربما إضاعة صلاة الفجر جماعة أو في وقتها، وفي الحديث المرفوع: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَكَانَ لاَ يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلاَ الْحَدِيثَ بَعْدَهَا) (متفق عليه).

قال النووي -رحمه الله-: "واتفق العلماء على كراهة الحديث بعد العشاء إلا ما كان في خير" اهـ من: "علام يسهر هؤلاء" إعداد: خالد أبو صالح ص:9.

وقال الشيخ صالح الفوزان: "السهر على القيل والقال، وما لا فائدة فيه، أو على اللهو واللعب والمعاصي، ومتابعة المسلسلات، والأفلام الخليعة، وما يأتي عن طريق البث التليفزيوني بواسطة الدشوش، كل ذلك سهر حرام في رمضان وغيره، وفي رمضان أشد تحريمًا؛ لحرمة الزمان، ولأنه بهذا السهر تضيع أوقات في الليل والنهار، وقد ينام في النهار عن أداء الصلوات في وقتها بسبب السهر في الليل، والله جعل الليل للنوم، وجعل النهار للعمل، وهؤلاء عكسوا الأمر، وخالفوا ما طلب منهم، وضيعوا أوقاتهم بالسهر بالليل والنوم بالنهار" اهـ من: "علام يسهر هؤلاء" ص:10 نقلاً عن مجلة الدعوة العدد رقم: "1673".

وكل سهر أدى إلى الوقوع في محرم فهو محرم، أما السهر في طاعة الله، أو في مصالح المسلمين ما لم يترتب عليه ضياع واجب، أو فوات مصلحة أرجح فهو سهر محمود.

ومن مخالفات بعض النساء في رمضان: تحرج الحائضات منهن أو النفساء من الأكل والشرب في نهار رمضان، فلا يأكلن إلا قليلاً أو يتناولن لقمة قبل أذان المغرب بقليل تأكيدًا لعدم الصيام! وهذا تنطع؛ خاصة من نفساء مرضع تحتاج إلى التغذية الجيدة، والطعام والشراب عقب ولادتها، إذ للحائض والنفساء أن تأكل وتشرب بلا حرج في نهار رمضان، ويحرم عليهن الصوم، وإنما يحرم على من أفطر في رمضان لغير عذر أن يأكل أو يشرب في نهاره؛ لحرمة الشهر في حقه، مع ما يلزمه من القضاء والكفارة بحسب سبب فطره بغير عذر شرعي.

وبعد...

فهذه جملة من مخالفات، وبدع تقع من البعض في رمضان ذكرتها إجمالاً خشية الإطالة، والله أسأل أن يجنبنا جميعًا الخطأ والتقصير، أو التفريط في هذا الشهر الفضيل. اللهم آمين.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.



نقلا عن موقع صوت السلف
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

رمضان فضائل وحكم

الحمد لله الذي جعل رمضان سيد الأيّام والشهور، وضاعف فيه الحسنات والأجور، أحمده سبحانه وأشكره وهو العزيز الغفور، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى والنّور، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم النشور. أمّا بعد:

فإنّ الأيّام تمر مرّ السحاب، وتمضي السنون سراعاً، ونحن في غمرة الحياة ساهون، وقلّ من يتذكر أو يتدبر واقعنا ومصيرنا، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان:62].

المسلم في عمره المحدود وأيّامه القصيرة في الحياة، قد جعل الله تعالى له مواسم خير، وأعطاه من شرف الزمان والمكان ما يشد به الخلل ويقوّم المعوجّ في حياته، ومن تلك المواسم شهر رمضان المبارك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

ففي رمضان تخف وطأة الشهوات على النفس المؤمنة وترفع أكف الضراعة باللّيل والنّهار.

فواحد يسأل العفو عن زلته، وآخر يسأل التوفيق لطاعته، وثالث يستعيذ به من عقوبته، ورابع يرجو منه جميل مثوبته، وخامس شغله ذكره عن مسألته فسبحان من وفقهم، وغيرهم محروم.

من فضائل شهر رمضان

إنّ شهر رمضان شهر قوّة وعطاء، فيه غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، وكان يصوم هو والمسلمون، وفيه كانت غزوة بدر الكبرى، وفي تلك الغزوات انتصرت راية الإسلام وانتكست راية الوثنية والأصنام، وفيه وقع كثير من معارك المسلمين وحملات جهادهم وتضحياتهم.

وفي رمضان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكثر ما يكونون قوة وحيوية ومثابرة على العبادة ومضاعفة لها.

لذا فإنّ شهر رمضان شهر العمل وشهر الصبر والعطاء، وليس شهر الضعف والكسل والنوم، وخمول بعض الصائمين ولجوئهم إلى النّوم في نهاره، والإقلال من العمل يخالف الحكمة من الصوم، ولا يتفق مع الغاية منه.

كان المسلمون الأوائل يعيشون رمضان بقلوبهم ومشاعرهم فإذا كان يوم صوم أحدهم فإنّه يقضي نهاره صابراً على الشدائد متسلحاً بمراقبة الله وخشيته، بعيداً عن كل ما يلوث يومه ويشوّه صومه، ولا يتلفظ بسوء ولا يقول إلاّ خيراً، وإلاّ صمت.

أمّا ليله فكان يقضيه في صلاة وتلاوة للقرآن وذكر الله تأسياً برسوله .

ثمار الصوم ونتائجه مدد من الفضائل لا يحصيها العدّ ولا تقع في حساب الكسول اللاهي الذي يضيع شهره في الإستغراق في النّوم نهاراً وزرع الأسواق ليلاً، وقتل الوقت لهواً.

الصيام جنّة من النّار: كما روى أحمد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّما الصيام جنّة، يستجنّ بها العبد من النّار» .

الصوم جنّة من الشهوات: فقد جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج، فإنّه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنّه له وجاء» [أخرجه البخاري ومسلم].

الصوم سبيل إلى الجنّة: فقد روى النسائي عن أبي امامة رضي الله عنه، أنّه قال: يا رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به، قال: «عليك بالصيام فإنّه لا مثل له».

وفي الجنّة باب لا يدخل منه إلاّ الصائمون: فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ في الجنّة باباً يقال له: الريّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون، فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد» [أخرجه البخاري ومسلم].

الصيام يشفع لصاحبه: فقد روى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنّهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم باللّيل فشفّعني فيه، قال: فيشفعان» .

الصوم كفارة ومغفرة للذنوب: فإنّ الحسنات تكفر السيئات، فقد قال من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: { من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } [رواه البخاري ومسلم].

الصيام سبب للسعادة في الدارين: فقد قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربّه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» [رواه البخاري ومسلم].

إستغلال الفرص في رمضان

هل يكون شهر رمضان في هذا العام موسماً للعودة إلى الله وفرصة للمحاسبة وطرح التقصير في جنب الله؟

هل يكون فرصة للمسرفين على أنفسهم ليعودوا إلى الله بقلوب واعية وحياة إسلامية صادقة؟

وفرصة للدعاة إلى الله ليعيدوا النظر بمهمتهم ويدركوا أنّهم يحملون أشرف دعوة، ويعملون لأنبل غاية، فيتخلصون من همّ النفس والطواف حول الذات فما عند الله خير وأبقى.

وفرصة لكل مسلم لينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً، ينصر المظلوم برد ظلامته، وينصر الظالم بالأخذ على يديه فتسود المفاهمة الصف المسلم.

وفرصة للأغنياء والمترفين لمراجعة الحساب والإحساس بحاجة الفقراء، وشكر النعمة بوضعها حيث أراد المنعم، فيساهموا في إنقاذ الجائعين في الأمّة الإسلامية، فإيمانهم معرض للخطر إذا لم يطعم جائعهم ويكس عاريهم ويغث ملهوفهم.

وفرصة لكل مسلم ليدرك أنّ التساهل يؤدي إلى الكبائر، فيقلع عن الغيبة والنميمة وسوء الظّن والإحتقار والإزدراء.

وفرصة لأن نرسم لأنفسنا منهجاً نتدرب من خلاله على المعاني الإسلامية، لنملك اليد المسلمة، الرجل المسلمة، العين المسلمة، الأذن المسلمة، اللّسان المسلم، بحيث تتحرك الجوارح جميعها كما أراد لها ربها وخالقها: «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» [رواه البخاري].

كل ذلك يمكن أن يتحقق في مدرسة الصيام التي تربي على الإرادة الجازمة والعزيمة الصادقة، تلك التي تكسر غوائل الهوى، وترد هواجس الشر.

أيّ إرادة قوية، بل أي نظام أدق من أن ترى المؤمن في مشارق الأرض ومغاربها يمسك عن طعامه وشرابه مدة من الزمن، ثم يتناوله في وقت معين، ثم يمسك زمام نفسه من أن تذلّ لشهوة أو تسترق لنزوة أو ينحرف في تيار الهوى الضال.

بل إنّه يقول لسلطان الهوى والشهوة: لا، وما أروعها من إجابة إذا كانت في مرضاة الله.

لا يرفث ولا يصخب ولا يفسق، ولو جرح جاهل مساعره واستثار كوامنه لجم نوازع الشر بقوله: " إني امرؤ صائم ".

إنّ كثيراً من النّاس أسرى لما تعوّدوه، وكلّما حاولوا ترك العوائد راجعوا، ذلك لأنّ للعادات سلطاناً على النفوس وهيمنة على القلوب، كم منّا من تملكه عاداته في طعامه وشرابه ونومه ويقظته، فلا يستطيع الفكاك منها، والصوم علاج نافع لكثير من هذه العادات فيتخلص به من أعبائها وأثقالها، وبه يستطيع المسلم - إذا عزم وصمّم - أن يترك ما شان من العادات ويتخلى عنه دون أن يصيبه أذى أو يلحقه ضرر، ثم ينتقل إلى محاربة عادات لها مضارها ومآثمها كالليالي الساهرة، والحفلات المستهترة، والعلاقات الخبيثة، وكالإدمان على الدخان والششية والقات، ونحوه من المفتّرات والمخدرات أو الشهوات، من كل ما هو نتيجة لضعف الإرادة والاستسلام المخزي الذي لا يليق بالرجولة ولا يتفق مع الخلال الشريفة.

إذا أردتم أن تصوموا فصوموا فيه عن الأحقاد والمآثم والشرور، كفّوا ألسنتكم فيه عن اللّغو، وغضّوا أبصاركم عن الحرام، فمن الصائمين من ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش، ذلك الذي يترك الطعام ويأكل بالغيبة لحوم إخوانه، ويكف عن الشراب، ولكنّه لا يكف عن الكذب والغش والعدوان على النّاس.

وصية للصائمين

كونوا أوسع صدوراً، وأندى ألسنة، وأبعد عن المخاصمة والشر، إذا رأيتم زلة فاحتملوها، وإن وجدتم إساءة من إخوانكم فاصبروا عليها، وإن بادأكم أحد بالخصام فلا تردوا بمثله، بل ليقل أحدكم: " إنّي صائم ".

بركات هذا الشهر

من بركة هذا الشهر عظم فضل الأعمال الصالحة فيه، ومنها:

قيام الليل: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان فيقول: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري ومسلم].

الصدقة: فقد «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود النّاس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل» [رواه البخاري ومسلم]، فيستحب الجود والصدقات، ولا سيما الإكثار منها في شهر رمضان المبارك.

يستحب الإكثار من تلاوة القرآن الكريم: وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم يكثرون من تلاوة القرآن في الصلاة وغيرها.

الإعتكاف: وهو ملازمة المسجد للعبادة تقرباً إلى الله عز وجل و «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله» [رواه البخاري ومسلم].

العمرة في رمضان تعدل حجة: كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
فيما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

يستحب للصائم السحور: كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإنّ الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحربن» .

ويستحب تعجيل الفطر والدعاء عند الإفطار: فقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم..».

اللّهم تقبل من الصائمين صيامهم، ومن المتصدقين صدقاتهم، ومن القائمين قيامهم، ومن الداعين دعائهم، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وأخرجنا من هذا الشهر مغفور لنا.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


عبدالباري الثبيتي
دار القاسم



نقلا عن موقع طريق الإسلام
http://www.islamway.com/?iw_s=Article&iw_a=view&article_id=2427

مفاتيح النجاح الرمضاني

مفاتيح النجاح الرمضاني
للشيخ عادل بن أحمد بانعمة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
كنتُ ومازلت أقول: إنني أتهيب الحديث في الموضوعات الإيمانية لما أعلمه من نفسي من قصور أخشى معه أن أدخل في دائرة ( لم تقولون مالا تفعلون ).

ولولا رجاء أن تقدح مثل هذه الإحاديث همةَ نقيٍّ تقيٍّ فيقع لصاحبها من الأجر ما يقع له لما كان لي أن أخوض فيها .

هذه خطبة كنتُ ألقيتها في مطالع شهر رمضان من العام الماضي، وفيها معانٍ جيادٌ أحسبها نافعةً جداً لمن أراد أن يكون شعاره هذا العام : ( رمضان غير ) !!

ولعل من يرى فيها من الإخوة شيئا حسناً أن يكون سبباً لنشرها عبر المجموعات البريدية أو المنتديات فصاحبكم قد لا ينشط كثيراً لمثل هذا على جليل فضله وعظيم نفعه .

إليكم رابط الخطبة الصوتي :

http://www.4shared.com/file/12150867...___online.html

وإليكم نصّها :

مفاتيح النجاح الرمضاني
خطبة جمعة بمسجد محمد الفاتح
أعدها
أبو البراء عادل باناعمة
5/9/1429هـ


قبل نحو شهرين أو ثلاثة كانت قلوب الملايين معلقةً بنتائج الامتحاناتِ ، الكل يرجو النجاح ويخشى الرسوب .
كنت ترى علائم القلق وهي ترتسم على الوجوهِ ، وسيماء الترقّب وهي تخطُّ على الجباه قصصاً شتّى ، وحكاياتٍ متباينةً .
وحين جفّتِ الأقلامُ بالنتائج ، وبانَ كَوْرُ من اجتهدَ واستعدّ ، وحَوْرُ من تكاسلَ وما اشتدّ .. حين كان ذلك زغردت بالبشرى حناجر ، وغرقتْ في دموع الأسى محاجر !!
تذوّق الناجحون للنجاح طعماً لذيذاً ، فرحوا به وفرح به من حولهم ، وكَرَعَ الراسبون للفشل شراباً كريهاً يتجرعونه ولا يكادون يسيغونه.
خرج الناجح يحمل في يمناه البشارة ، يزهو بها على أقرانِهِ ، ويدلّ بها على أهلِهِ وإخوانِهِ ، وكل من حوله يرى له حقاً في نشوةٍ غامرةٍ أوجبها نجاحٌ جاءَ بعد تعبٍ ونصبٍ .
وخرج الراسبُ يخفي بيسراه ورقةِ فضائحِهِ ، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ! وكل من حوله يراه جديراً بالملامةِ ، حقيقاً بالتوبيخ .
الجميع كان يحس بقيمة ( النجاح الدراسيّ ) ..
والجميع كان يحس بحسرة ( الفشل الدراسي ) ..

تُرى ...
هل حملنا ذات يوم هذا الإحساس الحاد بالنجاح والفشل ونحنُ نتعامل مع شهر رمضان الكريم ؟!!
أعني هل فكرنا ذات يومٍ بمدى أهمية أن ( ننجح ) في هذا الشهر ؟ ومدى كارثة أن ( نفشل ) فيه ؟!
لماذا يكون شعورنا بثنائية النجاح والفشل حاداً جداً في جانب الدراسة ، والوظيفة ، والتجارة وغيرها من أمور الدنيا .. ويكون باهتاً جداً عندما يتعلق الأمر بالجانب العبادي ؟

بعبارة أوضح ...
لماذا نهتم بالنجاح في المشاريع الدنيوية ، ولا نبالي بالنجاح في المشاريع الأخروية ؟

دعونا نتأمّل قليلاً في قيمةِ ( النجاح ) في هذا الشهر المبارك شهر رمضان !
روى ابن حِبّان في صحيحه عن طلحة بن عبيد الله ، قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم رجلان من بَلِيٍّ ، فكان إسلامهما جميعاً واحداً ، وكان أحدهما أشد اجتهاداً من الآخر ، فغزا المجتهد فاستشهد ، وعاش الآخر سنة حتى صام رمضان ، ثم مات ، فرأى طلحة بن عبيد الله – أي في المنام - خارجاً خرج من الجنة ، فأذن للذي توفي آخرهما ، ثم خرج فأذن للذي استشهد ، ثم رجع إلى طلحة ، فقال : ارجع فإنه لم يأن لك ، فأصبح طلحة يحدث به الناس ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فحدثوه الحديث ، وعجبوا ، فقالوا : يا رسول الله كان أشد الرجلين اجتهادا ، واستشهد في سبيل الله ، ودخل هذا الجنة قبله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أليس قد مكث هذا بعده بسنة ؟ » قالوا : نعم . قال : « وأدرك رمضان فصامه ، وصلى كذا وكذا في المسجد في السنة ؟ » قالوا : بلى ، قال : « فلما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض ».
انظروا الآن وتأملوا ...
(أليس قد مكث هذا بعده بسنة وأدرك رمضان فصامه ) !!
لقد كان ( نجاحُ ) هذا الصحابي الجليل في شهرِ رمضانَ سبباً لأن يسبق إلى الجنةِ من كان أكثر منه اجتهاداً وعبادةً ! ( نجاحُهُ ) في شهرٍ واحدٍ من شهور ( رمضان ) جعله يسبق هذا السبق البعيد .
فهل يشعر كل واحدٍ منا الآن بقيمة ( نجاحه ) في شهر رمضان ؟
دعونا ننظر إلى الزاوية الأخرى ..
إلى كارثة ( الفشل الرمضاني ) ...
روى ابن حبان أيضا في صحيحه عن مالك بن الحويرث ، قال : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، فلما رقي عتبة ، قال : « آمين » ثم رقي عتبة أخرى ، فقال : « آمين » ثم رقي عتبة ثالثة ، فقال : « آمين » ثم ، قال : « أتاني جبريل ، فقال : يا محمد ، من أدرك رمضان فلم يغفر له ، فأبعده الله ، قلت : آمين ... الحديث .
إنها كارثةٌ فعلاً .. دعاءٌ من سيد الملائكة وتأمين من سيد البشر !
على أي شيء؟
على ( إبعاد ) من فشل في رمضان ولم ينجح ! ( من أدركه رمضان فلم يغفر له ) .

وازنوا الآن بين الصورتين .. صورة الناجحين في رمضان ممثلةً في ذلك الرجل البلويّ السابق إلى الجنة ، وصورة الراسبين فيه ممثلةً في من دعا عليه الملك بالإبعاد وأمَّنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم .

يقول علماءُ النفسِ : إن المسافة بين صورة النجاح والفشل في أي قضيةٍ كانت هي التي تتحكم في حجم الدافع الداخليِّ لدى الإنسان .
فكلما زادت هذه المسافة .. زادت حماسة الإنسان للنجاح .
وكلما قلّت .. فترت همته وقل سعيه للنجاح .
بمعنى أنك إذا كنت لا ترى فرقاً كبيراً بين أن تنجح أو أن تفشل في قضيةٍ ما فإن حماسك للنجاح في هذه القضية يكون ضئيلاً جدا .
ولكنك إذا كنت تجد فرقاً هائلاً بين نجاحك وفشلك فسيدفعك ذلك دفعاً شديداً لأن تطلب النجاح وتحصّله .
وأنا عندي اعتقادٌ أكيدٌ بأنّ عدم استشعارنا العميق للفرق بين الناجحين في رمضان والفاشلين فيه سببٌ من أسبابِ قلةِ احتفالنا بالنجاح الرمضانيّ .
وأحسب أننا جميعاً بعد هاتين الصورتين المتضادتين قد بدأنا نشعر بقيمةِ النجاح في شهر رمضان ..

وهذا الشعور العميق هو أول الدوافع نحو البحث عن ( مفاتيح لهذا النجاح الرمضانيّ ) .

وهذه المفاتيح هي ما أحاول أن أتحدث عنه في هذا المقام .. قلتُ : أحاول وأنا أعني ما أقول ؛ لأن الموضوع أكبر من طاقتي العملية .. والأهمّ أنه أكبر من طاقتي الروحية .. وعافيتي القلبية .. ولكنني أحاول .. أحاول فحسب . وعسى أن يكون في السامعين من هو أزكى قلباً وأنقى روحاً وأعلى همةً فينشطَ لما كسلتُ فيه أنا.
في ظنّي أن مفاتيح النجاح الرمضانيّ خمسة أنسقها مسجوعةً ليكون ذلك أدعى لحفظها :

المفتاح الأول : كمال الاستعداد .
والمفتاح الثاني : جمال الاستمداد .
والمفتاح الثالث : تحريك أشواق الفؤاد .
والمفتاح الرابع : التخطيط المستفاد .
والمفتاح الخامس : مكمّلات الزاد .

أما ( كمال الاستعداد ) فشيءٌ قد فات وقتُهُ للأسف ، وأعني به أن يتهيّأ الإنسان لهذا الشهر قبل قدومِهِ ، ويستعدّ للحظاتِهِ قبل ورودِهِ ، وقد سلف لهذا المنبر حديث مفصَّلٌ عنوانه ( استعدّ من الآن ) أحسبُ أنّه وفّى هذا المفتاح حقَّهُ من النظر والفحص .

وأما ( جمال الاستمداد ) – وهو المفتاح الثاني – فهو سرٌّ من أسرار النجاح الرمضانيِّ يعرف قيمته من وُفِّق إليه .
وحقيقته أن يستمد العبدُ من ربه العونَ على الطاعةِ والعبادةِ ، وأن يكون كما قال القائلُ :
دعِ العبدَ ياعبدُ وارفع يديك ودقّ السماءَ وقل ياودودْ
ولقد ربط سبحانه وتعالى بين العبادة والاستعانة ربطاً محكماً في قوله جل جلاله : ( إياك نعبدُ وإياك نستعين ) . إن هذا الجمع بين العبادة والاستعانة في آية كريمةٍ نكررها في كل ركعة من صلواتِنا معناهُ أنّ عليك أيها العبدُ أن تعقلَ أنه لا سبيل لك إلى كمال العبادة إلا عبر بوابة الاستعانةِ .
وقد تكرر هذا المعنى في النصوص الشرعية .. وأوضح ما هنالك مارواه أحمدُ وغيره عن عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ)، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ، قَالَ: ( أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ).
فهذه وصية نبويةٌ جاءت في سياق المحبةِ فحواها أن على الإنسان أن يستعين بالله على طاعته دبر كل صلاة .
وللعظيم آبادي في عون المعبود تعليق لطيفٌ على هذا الحديث خلاصته أن النبيّ صلى الله عليه وسلم علَّم معاذاً أن يستعين بالله في سائر أنواع العبادات .. فالذكر إشارة إلى عبادة اللسان ، والشكر إشارة إلى عبادة الجِنان ( أي القلب ) ، وحسن العبادةِ إشارة إلى عبادة الأركان ( أي الجوارح ) ! وبهذا تُستوفى كل أنواع العبادة . [ انظر عون المعبود ]
وقد صدق من قال :
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأول ما يقضي عليه اجتهادُهُ !
كم هي المراتُ التي عزمنا فيها على ضروبٍ من الطاعات في رمضان ثم لم نوفق لها ؟
كم مرةٍ جلسنا مع أنفسنا وقلنا : سنختم كذا وكذا ختمة ، ونصلي كذا وكذا ركعة ، ثم وجدنا أنفسنا لا نفي بما عزمنا عليه ولا حتى بنصفه أحياناً !!
هل تعرفون السبب ؟
السبب أنّنا فكرنا وقدرنا ولكننا مارفعنا أيدينا بصدق وقلنا : يارب أعنّا على ما عزمنا عليه من الطاعة ، فوكلنا الله لأنفسنا !! ومن وُكِل إلى نفسه فقد وُكِلَ إلى ضيعةٍ وعجز ، ألم يقل نبيّنا صلى الله عليه وسلم – فيما رواه أحمد - : (وَأَشْهَدُ أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَيْعَةٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ) ؟
لماذا يفتقر العبد في أداء العبادة إلى الاستعانة ؟
لأنّه إنما يعبد الله بجوارحِهِ وهذه الجوارح بيد الله إن شاء بعثها وإن شاء قعَدَ بها ، وتأملوا قوله تعالى : ( ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم ) ، قال الشوكاني في فتح القدير : أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم . وعليه فمن شاء تنشيط جوارح للعبادة فليستعن بخالقها ومصرّفها.
كذلك يفتقر العبد في أداء العباة إلى الاستعانة لأنّه إنما تحسُنُ عبادتُهُ بحضورِ قلبِهِ وخشوعِهِ والقلوب – كما صح في الحديث عند مسلم – ( بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحدٍ يصرفه حيث يشاء ) . فمن شاء تصريف قلبِهِ من الإدبار إلى الإقبال ، ومن القسوة إلى اللين ، ومن الغلظِ إلى الخشوع فسبيله أن يطرق باب الله ويستعين به .
وانظر جليل أثر الاستعانة في باب العبادة فيما رواه الذهبي في سيره [ 7/178 ] في ترجمة الزاهد القدوة شيخ العباد عبد الواحد بن زيدٍ ، فقد ذكر أنَّ فُلِجَ في آخر حياتِهِ فعزّ عليه ألا يتوضّأ وألا يقوم بين يدي ربه فسأل اللهَ العون على ذلك ، فكان إذا حانتِ الصلاةُ أُطلِقت جوارحه فقام وتوضأ وصلى فإذا رجع إلى سريره فلج كما كان !!!
ولاغرو وقد رأينا هذه الاستعانة أن يبقى عبد الواحد يصلي الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة !
أخي ..
إذا كانت الاستعانةُ بالله قد حركتِ الجوارح الميتة فنشطت للطاعة فكيف لا تبعث همةً خامدةً ؟ وكيف لا تنشّط جسداً كسولاً ؟ وكيف لا تحرك قلباً فاتراً ؟
حدثني أخٌ كريم أنه كان إذا اعتكف في الحرم غلبه النعاس في صلاة القيام ، وأنه احتال على ذلك بمحاولة زيادة ( جرعة ) النوم فصار يغفو حتى بين المغرب والعشاء حسب الإمكان .. ولكن بلا فائدة .. وحين هُدِي إلى الطريق الصحيح رفع يديه واستعان بالله صادقاً مخلصاً .. وصار قبل كل صلاة قيام يدعو بإلحاح أن يصرف الله عنه كل ما ينغص صلاتُهُ .. فإذا هو يجدُ للصلاة طعماً آخر ! وماعادت قلة النوم تشغل باله !!
عليك – أيها الأخ - بهذا المفتاح مفتاح جمال الاستمداد كلما عزمتَ على طاعةٍ ، وكلما رأيت فتوراً ، وكلما هممتَ بأمر خيرٍ فلم تطاوعك نفسك .. وانظر من بعدُ كيف تتنزل عليك البركات .

المفتاحُ الثالثُ للنجاح الرمضانيّ هو ( تحريك أشواق الفؤاد ) .. وسرُّهُ أن القلبَ هو الذي يحمل الإنسان على الفعلِ إذا أحبَّ ، ويحمله على الترك إذا أبغضَ ، وأما العقل فقصارى أمره أن يقول لك : هذا صوابٌ وهذا خطأ .. أما الباعثُ والدافعُ والمحرّكُ فقلبيٌّ صِرْفٌ .
ومشكلتنا اليوم مع رمضان أننا ( نعرفُ ) كثيراً من فضائلِهِ وبركاتِهِ ولكننا ( لانشعر ) قلبياً بهذه الفضائل والبركاتِ ، وبالتالي لا نشتاقُ إليها ، ومن ثمَّ نبقى نراوح عبادياً في أماكننا !!
إنَّ العقل هو ( مستودع ) معلومات ، وإنَّ القلب هو ( مخزن ) مشاعرَ . في جهاز الحاسوب هناك ( أوامر ) مخزنة في الذاكرة ، هذه الأوامر تظلُّ جامدةً حتى تجري في الجهازِ حرارة الكهرباء ، فيتمكّن الجهاز من تحويل تلك الأوامر إلى ( إنجازاتٍ ) تشاهدُ عبر الشاشة .. ما في عقولنا من معلوماتٍ عن رمضان وفضائله هو كهذه الأوامر .. تظل جامدةً حتى يتدفق تيار المشاعرِ القلبيّ .. حينئذٍ فقط تتحول إلى عملٍ .
وهذا هو المفتاح الثالث .. أن نحرِّكَ أشواقَ الفؤاد نحو رمضان وعباداتِهِ من خلال تحويل ( فضائله ) من معلوماتٍ مجرّدةٍ عقلية نسابق الواعظ في ذكرها ، إلى مشاعرَ حيّةٍ قلبيّةٍ . لنأخذ مثالاً .. ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ) .. دعونا نجتهد في تحويل هذه المعلومة إلى شعور !
لنقف هنيهةً مع أنفسِنا .. كم هي المعاصي التي ارتكبناها ؟
كم مرةٍ نظرنا إلى الحرامِ ؟ كم مرة سمعنا الحرام ؟ كم مرة نطقنا بما يسخط الله ؟ كم مرة قصرنا في حقوق الوالدين والأرحام ؟
كم منا من وقع في الفواحش ؟
وكم منا من كذب ؟
وكم منا من خالط جوفه مالٌ حرامٌ ؟
كم في خفايانا من ذنوبِ سرّ لا يعلمُها إلا الله .. يؤرقنا مجرد التفكيرُ فيها ؟
ثمّ .. هل فكرنا كم من الرزق حرمناه بسبب هذه المعاصي ؟ وكم من التوفيق فاتنا بسببها ؟ وكم من العقوبة حلت بنا جراءها ؟
ثم .. هل فكرنا فيما ينتظرنا في القبر ويوم القيامةِ من عقوبةٍ لا قبل لنا بها جراء اجترائنا على حرمات الله ؟
كل هذا البلاء الآخذ بأكظامِ النفسِ يمكنُك أن تتحرر منه في شهرٍ واحدٍ !!
يا ألله !
شهرٌ واحدٌ تمحو عذابات السنين ؟!!
شهر واحدٌ يذهبُ بأوزارٍ كأمثالِ الجبالِ ناءت بها ظهورنا .. ووجلت لها قلوبنا ؟
شهر واحدٌ – وربما ليلة واحدةٌ منه - تنفض عنا عوائق التوفيق ، وموانع البركة ؟
نعم .. هو كذلك رمضان .. يغسلك ياسيدي .. يغسلك بالكليةِ .. ويخرجُكَ نقياً كماء السماء .. أبيضَ كسحابِ السماء .. حراً كهواء السماء ..
هل تدرك قيمة ذلك ؟
أقصد .. هل ( تشعر ) بقيمةِ ذلك ؟
شيءٌ آخر في هذا السياقِ ..
هل تدرك الفرق بين عمر بن الخطابِ رضي الله عنه قبل الإسلام وعمر بعد الإسلام ؟
هل تدرك الفرقَ بين عبد الله بن المبارك المغنّي شاربِ الخمر وعبد الله بن المبارك العلم الإمام المحدث الرباني ؟
هل تدرك الفرقَ بين الفضيل بن عياضٍ قاطعِ الطريقِ اللصّ النهّابِ والفضيل العابد الزاهدِ التقي النقي ؟
لقد كان في حياة هؤلاء جميعاً ( لحظةٌ ) تحول فيها مسار حياتهم ، وتبدلت شخصياتهم ، واعتدلت بوصلتهم .. إنّها لحظةُ الهدايةِ والتوفيقِ بها صاروا من حال إلى حال .
اصدقني .. ألا تتمنى في حياتك لحظةً كهذه .. تنفضك نفضاً ، وتنقلك من الدرك الذي أنت فيه فإذا بك وليٌّ من أولياء الله الصالحين ، وعلمٌ من أعلام الأمة العاملين ؟
تذكر إذنْ أنّ شهر رمضان الذي ( تنجحُ ) فيه هو أرجى أوقاتِ حياتك لتحقيق لحظة الهداية هذه .
هل بدأنا نشعرُ ( بقيمة ) هذا الشهر ، وبمقدار ما يمكنُ أن يحدثه في حياتنا من أثر ؟!!
بمثل هذا النظر ( نحرّك أشواق الفؤاد ) ونبعثُ في معلومات ( العقل ) حياة ( القلب ) .. ويالها من حياة !

مفتاح النجاح الرمضانيّ الرابع هو ( التخطيط المستفاد ) .
والناس يخططون لكل شيء .. لدراستهم ، لتجارتهم ، لبيوتهم ، بل يخططون حتى لنزههم وإجازاتهم .. ثم هم بعد ذلك لا يخططون لعبادتهم ! ولا يخططون للنجاح الرمضاني !!!
وعندي أن التخطيط العباديّ الرمضانيَّ له ثلاثةُ أبعاد :
أولها : منهجةُ العبادة .. بأن تجعل لك منهجاً واضحاً فيما تريد إنجازه من عبادات رمضانية ، كن واضحاً .. كم ختمة تريد أن تختم ؟ كم مرة ستصلى على النبي في اليوم ؟ كم مرة ستستغفر ؟ بكم ستتصدق ؟ ارسم لك منهجاً واضحاً محدداً لما تريد من عبادات لأن ذلك سيشدّك إلى هدفك ويجعل بين يديك معياراً تحاسب به نفسك يومياً .. واحذر أن يكون كل ترتيبك للعبادة رغبةً مبهمةً غائمةً في الإكثار من الخير .
وثانيها : تفتيت العبادة .. عندما تستعظم عبادةً من العبادة جزّئها وقسّمها على أوقات اليوم وسترى كم هي سهلةٌ !!
قد تستصعب الجلوس لقراءة ثلاثة أجزاء في اليوم .. ولكن حرصك على الجلوس عشر دقائق قبل كل صلاة وعشر دقائق بعدها يجعلك تختم القرآن في عشرة أيام دون تعبٍ ولا نصب !!
قد تستثقل التسبيح ألف مرة ! ولكن تقسيمك لهذه الألف على مشاوير العمل ومقاضي البيت وحوائج العيد سيجعلك تسبح ألفي مرة في اليوم دون أن تشعر !
فتِّتِ العبادة وقسّمها تسهل عليك بإذن الله .
وثالث أبعاد التخطيط العبادي في رمضان : تركينُ العباداتِ .. بمعنى أن تجعلها ركناً في برنامجك اليومي .. تدير عليها بقية الأشغال ولا تديرها هي حول الأشغال .
اختر عدداً من العبادات وحدد لها أوقاتاً واجعلها أركاناً في برنامجك اليومي .. تماماً كما تجعل وقت الدوام الوظيفي ركناً لا يجور عليه شيء من المشاغل .
عند يكون التبكير إلى المسجد للفريضة ركناً في برنامجي اليومي فإنني لن أتأخر عنه لأني عندي موعداً مع فلانٍ وأريد أن أصلي عنده ! ولن أتأخر عنه لأنني متعب وأريد النوم ! ولن أتأخر عنه لأن بين يدي عملاً ما أريد أن أفرغ منه !
وعلى ذلك قس .
بهذه الأبعاد الثلاثة يستطيع الإنسان أن يخطط لعباداته الرمضانية تخطيطا يدنيه بإذن الله من المراد ، ويملّكه مفتاحاً من مفاتيح النجاح الرمضانيّ .
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم .


= الخطبة الثانية :
بقي لنا مفتاحٌ من المفاتيح التي تحاول خطبتنا هذه أن تشرحها .
إنه المفتاح الذي سميناه ( مكمّلات الزاد ) .
ومعناه أن يبحث كل إنسان عن تلك ( المكمّلات ) التي ترفدُه وتساعده في طريقه نحو النجاح الرمضانيّ .
فالبعضُ – مثلاً – ينتفع كثيراً بمواعظِ فلانٍ أو فلانٍ من المشايخ فليكثر إذن من الاستماع إليه .
والبعض – مثلاً – تهزه الصلاة خلف فلانٍ من أعماقِهِ فيبكي ويخشع فليحرص إذن على هذه الصلاة .
والبعض – مثلاً – ينتفع كثيراً بخلوةٍ بين يدي ربه ومولاه .. فليُدمن إذن على لحظاتِ الخلوة هذه .
والبعض – مثلاً – تهزُّهُ ركعاتُ الأسحارِ يترنّم فيها بالقرآن من محفوظه فليغتنمها ولا يفوتها .
وهكذا لتبحث أخي عما يحرك قلبك .. وينمي شوقك .. ويبعث همتك .. فتلك هي مكملات زادك في طريقك المشرق نحو النجاح الرمضانيّ .

وبعـــد ...
فعندي يقينٌ أنَّ كل واحدٍ منا لو توسّل بهذه المفاتيح فسوف يجد لرمضان طعماً آخر لم يكن يجده ..
وأرجو أن تكون درجاتُهُ في نهايةِ الشهر عاليةً جداً .. وأن يكون نجاحه مبهرا ً... على نحو – ربما – لم يكن يتوقعه !
وحينها يذوق طعم النجاح .. ويحظى بلحظاتِ الوصلِ والقربِ .. ويقول مع ذي النون مناجياً :
أموت وما ماتت إليك صبابتي
ولا رَوِيت من صدق حبك أوطاري
مُناي المنى كل المنى أنت لي منى
وأنت الغِنى كل الغِنى عند إقتاري
وأنت مدى سؤلي وغاية رغبتي
وموضع شكواي ومكنون إضماري
ألست دليل الركب إن هم تحيّروا
ومنقذ من أشفى على جرفٍ هارِ
أنرت الهدى للمهتدين ولم يكن
من النور في أيديهم عشر معشارِ !!
[ رائق الشهد : 105 ]


نقلا من موقع شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=48463

آداب الصيام وسننه

آداب الصيام وسننه
( 5 ) ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب فمن ذلك : - الحرص على السحور وتأخيره। - تعجيل الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات, فإن لم تكن رطبات فتمرات, فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء, ويقول بعد إفطاره : «ذهب الظمأ, وابتلت العروق, وثبت الأجر إن شاء الله».- البعد عن الرفث, والرفث هو الوقوع في المعاصي. - وممّا أذهب الحسنات وجلب السيئات الإنشغال بالفوازير والمسلسلات والأفلام والمباريات والجلسات الفارغات والتسكع في الطرقات. - عدم الإكثار من الطعام, لحديث «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن ...». - الجود بالعلم والمال والجاه والبدن والخلق فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود النّاس بالخير, وكان أجود ما يكون في رمضان. ومما ينبغي فعله في الشهر العظيم - تهنئة الأجواء والنفوس للعبادة والإسراع إلى التوبة والإنابة, والفرح بدخول الشهر, وإتقان الصيام, والخشوع في التراويح, وعدم الفتور في العشر الأوسط, وتحرى ليلة القدر, والصدقة, والإعتكاف. - لا بأس من التهنئة بدخول الشهور, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان, ويحثه على الإعتناء به.
المصدر

تعريب وتطوير مدونة التعليم الالكترونى